فهرس الكتاب

الصفحة 5062 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 272

خاسِئًا بعيدا عن إصابة المطلوب كأنه طرد عنه طردا بالصغار. وَهُوَ حَسِيرٌ (4) كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة.

وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا أقرب السموات إلى الأرض بِمَصابِيحَ بكواكب مضيئة بالليل إضاءة المسرج فيها ولا يمنع ذلك كون بعض الكواكب مركوزا في السموات فوقها إذ التزيين بإظهارها عليها والتكبر للتعظيم. وَجَعَلْناها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كما في نحو: كرتين ومرتين وقوله: كَرَّتَيْنِ منصوب على المصدرية للفعل السابق من غير لفظه فإن المعنى: ثم ارجع البصر رجعتين آخرتين. وليس المراد رجعتين اثنتين فقط بل المراد أن تكرر النظر إليها مرارا كثيرة بشهادة قوله: وَهُوَ حَسِيرٌ فإن فعيلا بمعنى الفاعل من الحسور وهو الإعياء فقوله: وَهُوَ حَسِيرٌ معناه أنه بالغ غاية الإعياء والكلال. ومن المعلوم أن البصر لا يبلغ غاية الكلال برجعه كرتين اثنتين فقط. قوله: (طردا بالصغار) تنبيه على أن قوله: خاسِئًا اسم فاعل من خسأ اللازم بمعنى تباعد وهرب مع الصغار والذلة.

فإذا قيل. خسأ الكلب بنفسه فمعناه تباعد من هوانه وخوفه كأنه زجر وطرد عن مكانه بالذلة.

وخسأ يستعمل لازما ومتعديا. يقال: خسأت الكلب أي طردته، وخسأ الكلب بنفسه. ولا يجوز أن يكون «خاسئا» في الآية مشتقا من المتعدي إلا أن يكون بمعنى المفعول أي مبعدا مطرودا. روي عن ابن عباس أنه قال: الخاسئ الذي لم ير ما يهواه. وقوله تعالى:

يَنْقَلِبْ جواب الأمر وخاسِئًا حال من البصر وقوله: وَهُوَ حَسِيرٌ جملة حالية من البصر أو من الضمير المستتر في «خاسئا» فتكون حالا متداخلة. واعلم أنه تعالى لما قال:

وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ومن المعلوم أن كونه عزيزا غفورا لا يتم إلا بعد كونه قادرا على كل المقدورات عالما بكل المعلومات، استدل أولا على كمال قدرته بقوله: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ثم استدل على شمول علمه بقوله: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ثم ذكر ما يدل على كونه قادرا عالما فقال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ فإن الكواكب من حيث كونها مشتملة على حكم ومصالح لا تحصى تدل على كون صاحبها عالما حكيما. قوله: (أقرب السموات إلى الأرض) إشارة إلى أن الدنيا تأنيث الأدنى بمعنى الأقرب، وأن كون السماء قربى إنما هو بالنسبة إلى ما تحتها من الأرض، لأن القربى بالنسبة إلى العرش هي السماء السابعة. والمصابيح السرج استعير منها للكواكب تشبيها لها بها في الإضاءة والتنوير.

قوله: (ولا يمنع ذلك) جواب عما يقال: قد اتفق أهل الهيئة على أن الكواكب الثابتة مركوزة في الفلك الثامن، فعلى تقدير صحة ما ذهبوا إليه كيف يوجه قوله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا؟ وتقرير الجواب أن كون الثوابت زينة السماء الدنيا لا يقتضي كونها مركوزة فيها لجواز كونها مركوزة فيما فوقها من السموات وتكون ظاهرة فيها، وزينة لكون السموات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت