فهرس الكتاب

الصفحة 5063 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 273

رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وجعلنا لها فائدة أخرى هي رجم أعدائكم بانقضاض الشهب المسببة عنها. وقيل: معناه وجعلناها رجوما وظنونا لشياطين الإنس وهم المنجمون والرجوم جمع رجم بالفتح وهو مصدر سمي به ما يرجم به. وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (5) في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شفافة لا يحجب بعضها ما كان مركوزا فيما فوقها. قوله: (رجم أعدائكم بانقضاض الشهب المسببة عنها) أي بسقوطها. يقال: انقض الحائط إذا سقط، وكذا انقض الطائر. والشهب جمع شهاب وهي شعلة نار ساقطة تنفصل من نار الكواكب وليس ما يرجم به الشياطين نفس الكواكب بل هي قارة ثابتة في مواضعها لم ينقض شيء منها بالرجم مع أن هذه الشهب يرمي بها من قديم الزمان. وهذا معنى قوله: «بانقضاض الشهب المسببة عنها» فإن الشهب التي تنقض لرمي المسترقة من الشياطين منفصلة من نار الكواكب التي هي قارة في الفلك على حالها كقبس يؤخذ من النار والنار ثابتة بكمالها في موضعها. روي أن السبب في جعلها رجوما أن الجن كانت تستمع خبر السماء، فلما بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حرست السماء ومنعت من تقرب الشياطين إليها فمن جاء منهم مسترقا للسمع رمى بشهاب فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض فيلقيه إلى الناس فيلتبس على الناس أمر النبوة بأمر الكهانة. وهذا لا يستلزم أن لا تكون هذه الشهب موجودة قبل بعثته صلّى اللّه عليه وسلّم البتة بل يجوز أن توجد قبلها لأسباب أخر حتى أن قدماء الفلاسفة ذكروا وقوعها وأسبابه في كتبهم، وإنما يدل على أن الذي جعل بعد البعثة ما ترجم به الشياطين. عن ابن عباس قال: بينما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جالس في نفر من الصحابة إذ رموا بنجم فأنار الجو منه فقال: «ما كنتم تقولون إذا حدث في الجاهلية مثل هذا» قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «فإنها لا ترمي لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش، ثم سبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم. ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي إلى هذه السماء وتخطفه الجن فيرمون فما جاؤوا به فهو حق ولكنهم يزيدون فيه» . قوله: (وقيل معناه وجعلناها رجوما وظنونا) أي قيل: إنه ليس من الرجم بمعنى الرمي بل هو من الرجم الذي هو أن يتكلم الرجل بالظن كما في قوله تعالى: رَجْمًا بِالْغَيْبِ [الكهف: 22] عن قتادة قال: خلق اللّه تعالى النجوم لثلاث: كونها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدي بها في ظلمات البر والبحر ومعرفة الأوقات. فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به وتعدى وظلم. ولما ذكر أن الكواكب من جملة منافعها أن يرجم بها الشياطين في الدنيا بيّن أن لهم في العقبى عذابا فوق ذلك وهو ما أعده اللّه لهم من عذاب السعير. قال المبرد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت