حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 275
في التكذيب حتى نفينا الإنزال والإرسال رأسا وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال والنذير إما بمعنى الجمع لأنه فعيل، أو مصدر مقدر مضاف أي أهل إنذار، أو منعوت به للمبالغة، أو الواحد والخطاب له ولأمثاله على التغليب، أو إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل، أو على أن المعنى قالت الأفواج قد جاء إلى كل فوج منا رسول فكذبناهم وضللناهم. ويجوز أن يكون الخطاب من كلام الزبانية لكفار على إرادة القول فيكون الضلال ما كانوا عليه في الدنيا أو عقابه الذي يكونون فيه.
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتمادا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات أَوْ نَعْقِلُ فنتفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال) إشارة إلى قوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ من مقالة الكفار أي وقلنا لهم: ما أنزل اللّه من شيء على ألسنتكم إن أنتم يا معشر الرسل إلا في ضلال كبير، اعترفوا بعدل اللّه تعالى وأقروا بأنه تعالى أزاح عنهم ببعثة الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه بتكذيبهم الرسل، ثم اعترفوا بجهنم حيث قالوا وهم في النار: (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا اليوم في أصحاب السعير) روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال:
«لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله يعبد ربه» . وقال عليه الصلاة والسّلام:
«إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والصيام وممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وما يجزى يوم القيامة إلا على قدر عقله» . وقال عليه الصلاة والسّلام: «الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات وينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم» . قوله: (والنذير إما بمعنى الجمع) أي على تقدير أن يكون قوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ من جملة كلام الكفار وخطابهم للمنذرين لا بد أن يكون النذير بمعنى الجمع ليصح خطاب النذير بقوله: إِنْ أَنْتُمْ أو يكون مصدرا بمعنى الإنذار كالرجيف والأنين على حذف المضاف، أو على أنه مصدر وصف به المنذرون للمبالغة كأنهم لكثرة إنذارهم وغلوهم في ذلك واتفاقهم فيه كانوا إنذارا واحدا. قوله: (أو الواحد) عطف على قوله: «الرسل» في قوله: «أي فكذبنا الرسل» أي ويجوز أن يكون «نذير» بمعنى منذر واحد ويكون قوله: «إن أنتم» خطابا له ولأمثاله. قوله: (أو إقامة تكذيب الواحد) عطف على التغليب. قوله: (ويجوز أن يكون الخطاب) عطف على ما يفهم من قوله: «وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال» فإنه يدل على أن قوله: «إن أنتم» من جملة قول الكفار وخطابهم للرسل. وإن كان الخطاب من الزبانية يكون مرادهم من ضلال الكفرة ما كانوا عليه في الدنيا من ضلالهم في باب الاعتقاد والعمل، أو ما كانوا عليه في جهنم من العقاب بطريق تسمية عقاب الضلال ضلالا، أو على أن يكون الضلال بمعنى الضياع والهلاك يقال: ضل الشيء