حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 278
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، أو ألا يعلم اللّه من خلقه وهو بهذه المثابة. والتقييد بهذه الحال يستدعي أن يكون «ليعلم» مفعول ليفيد. روي أن المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبر اللّه بها رسوله فيقولون:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن) الظاهر أن ليس مراده أن كونه تعالى عالما بما ظهر من خلقه منفهم من عبارة اللطيف بل المراد أنه منفهم منه بطريق الدلالة لأن مدلوله هو العالم بالخفيات كما صرح به في شرح المواقف. ومن يعلم الخفايا يلزمه العلم بالجلايا بطريق الأولوية، فلذلك اعتبر في مفهوم اللطيف وصول علمه إلى ما ظهر أيضا. قال الإمام حجة الإسلام الغزالي نور اللّه مرقده المنير: إنما يستحق اسم اللطيف من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها ولطف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك تم معنى اللطيف ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلا للّه تعالى. والخبير هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة فلا يجري في الملك والملكوت شيء ولا تتحرك ذرة ولا تسكن إلا ويكون عنده خبرها وهو بمعنى العليم، لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة يسمى خبرة ويسمى صاحبه خبيرا. انتهى. فاللطيف أخص من الخبير الذي هو أخص من العليم. وقال الإمام الرازي: واعلم أنهم اختلفوا في اللطيف فقال بعضهم: المراد العالم وقال آخرون: بل المراد من يكون فاعلا للأشياء اللطيفة التي تخفى كيفية علمها على أكثر الفاعلين ولهذا يقال: إن لطف اللّه بعباده عجيب ويراد به خلق تدبيره لهم وفيهم. وهذا الوجه أقرب وإلا لكان ذكر الخبير بعده تكرارا. انتهى. وإذا فسرا بما ذكره الغزالي اندفع التكرار. قوله: (والتقييد بهذه الحال يستدعي أن يكون ليعلم مفعول ليفيد) جواب عما يقال من أنه لم يذكر في نظم الآية لفظان: يكون أحدهما فاعلا «ليعلم» والآخر مفعوله، فما الذي دعاك إلى اعتبار تعلقه بالمفعول ولم لا تجعله من باب يعطي ويمنع بأن ينزل منزلة اللازم ويعرب النظم بوجه ثالث، وهو أن تجعل من خلق فاعل «يعلم» ولا يقدر له مفعول ويكون المعنى: ألا يكون عالما من هو خالق والخلق إنما يكون بالعلم؟ وتقرير الجواب: أنه لو لم يعتبر تعلقه بالمفعول لخلا التقييد بالحال عن فائدة يعتد بها لأنه في قوة تقييد الشيء بنفسه، وذلك لأن قوله: أَلا يَعْلَمُ لإنكار عدم العلم فيكون في معنى دعوى العلم فعلى تقدير أن لا يقدر ليعلم مفعول مع أن قوله: وَهُوَ اللَّطِيفُ حال من فاعل «يعلم» يكون حاصل المعنى:
يعلم وهو عالم أي يعلم في حال علمه. ولا فائدة في هذا التقييد لأنه تقييد لمطلق العلم بنفسه. فإن قيل: لا نسلم ذلك بل هو في معنى ألا يعلم وهو عالم بما ظهر من خلقه وما بطن؟ وقد فسره المصنف بذلك، فالعلم المدلول عليه بالعامل هو مطلق العلم والمدلول عليه