حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 279
أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فنبه اللّه على جهلهم.
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا لينة يسهل لكم السلوك فيها فَامْشُوا فِي مَناكِبِها في جوانبها أو جبالها وهو مثل لفرط التذليل فإن منكب البعير ينبو عن أن يطأه الراكب ولا يتذلل له، فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يبق شيء لم يتذلل. وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ والتمسوا من نعم اللّه. وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) المرجع فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالحال مستغرق فيفيد التقييد لأنه ليس من قبيل ألا يعلم وهو عالم بل من قبيل ألا يعلم وهو عالم بكل شيء. قلنا: إذا نزل قوله: «ألا يعلم» منزلة اللازم بأن يجعل من قبيل فلان يعطي ويمنع يكون الحدث الذي هو مدلول الفعل عاما شاملا لجميع أفراده بحسب تفاهم العرف في المقام الخطابي، كما صرح به صاحب المفتاح، كما أن العلم المدلول عليه بقوله:
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ كذلك على تفسير المصنف فهما متساويان في العموم فيلزم تقييد الشيء بنفسه بمنزلة أن يقال ألا يعلم كل شيء من هو عالم بكل شيء. ثم إنه تعالى لما بيّن استواء الإسرار والإعلان بالنسبة إليه واستدل عليه ببيان تفرده في خلق الكائنات كلها من الجواهر والأعراض، وأن الخلق متفرع على العلم فكيف يتصور أن لا يعلم ما خلقه؟ قال بعده:
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فلا تغتروا بذلها وانقيادها لكم ولا تتجرؤوا على معصيته سرا بناء على زعم أنه تعالى لا يعلم ما تسرون، ولا تأمنوا أن يصيبكم عذابه من حيث لا تحتسبون، فإن الأرض التي هي مأمنكم وموضع استقراركم أنا الذي ذللتها لكم وجعلتها مسكنا لكم وسببا لمعاشكم إذ لو شئت لحولت ذلها صعوبة وما فيها من الأمن خوفا بأن نخسف بكم الأرض كما خسف بقارون وبداره الأرض، أو ننزل عليها من السماء أنواع المحن والآفات كما أنزل على أصحاب الفيل وقوله لو طو (أطيعوا الله سرا وعلانية لعلكم تفلحون.) والذلول من كل شيء المنقاد الذي يذل أي ينقاد ومصدره الذل وهو الانقياد واللين، ومنه دابة ذلول إذا زالت صعوبتها وانقادت لصاحبها. ووجه كونها ذلولا أنه يمكن المشي عليها والحفر للآبار وشق العيون والأنهار فيها، وبناء الأبنية، وزرع الحبوب وغرس الأشجار فيها، ولو كانت صخرة صلبة لما تيسر شيء منها، ولو كانت مثل الذهب أو الحديد لكانت تسخن جدا في الصيف وتبرد في الشتاء. وأيضا ثبتها اللّه تعالى بالجبال الراسيات كيلا تتمايل وتنقلب بأهلها ولو كانت مضطربة متمائلة لتعذر الاستقرار عليها ولكانت صعبة غير ذلول ومنقادة لنا.
قوله: (في جوانبها أو جبالها) شبّهت جوانب الأرض أو جبالها بمناكب الإنسان من حيث إن مناكب الإنسان أطرافه وجوانبه، ومن حيث إنها أرفع المواضع منه فأطلق عليها اسم المناكب على طريق الاستعارة. وعلى التقديرين يكون قوله تعالى: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها