حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 281
الصلاة والسّلام وتهديد لقومه المشركين.
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها. وَيَقْبِضْنَ ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت للاستظهار به على التحرك، ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل للتفرقة بين الأصل في الطيران والطارئ عليه. ما يُمْسِكُهُنَ في الجو على خلاف الطبع. إِلَّا الرَّحْمنُ الشامل رحمته كل شيء بأن خلقهن على أشكال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشديدة التي تثير الحصباء وهي الحصى. ومعنى الآية: هل حصل لكم أمان من هذين وإذ لا أمان لكم منهما فما معنى تماديكم في الشرك والتكذيب؟ وهذا عناد شديد والعياذ باللّه.
قوله: (وتهديد لقومه) أي تأكيد للتهديد السابق بإيراد مثال ومصداق له كأنه قيل: أولم تروا أني كيف أنكرت على المكذبين قبلكم بتغير حالهم بالتدمير والاستئصال، فكيف تأمنون مما أصابهم بسبب إصرارهم على الكفر والتكذيب؟ ثم أورد برهانا يدل على قدرته على إيقاع ما هددهم وخوفهم به فقال أولا: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وثانيا: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ [الملك: 23] وثالثا: قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ [الملك: 24] ومتى ثبت كمال قدرته ثبت كونه قادرا على الانتقام منهم بما يشاء. والطير جمع طائر. وقوله: «فوقهم» ظرف «ليروا» أو حال من الطير أي كائنات فوقهم و «صافات» حال إما من الطير أو من المنوي في الظرف إن جعلته حالا.
قوله تعالى: (وَ يَقْبِضْنَ) عطف على «صافَّاتٍ» عطف الفعل على الاسم لكونه بمعنى قابضات إلا أنه عدل به إلى صيغة الفعل للدلالة على أن الهواء للطائر بمنزلة الماء للسابح، فكما أن الأصل في السباحة هو مد الأطراف ببسطها وقبضها وقتا بعد وقت لا يقصد لذاته وإنما يفعل ليتوصل به إلى ما هو الأصل في السباحة وهو البسط، فكذا الطيران فإن الأصل فيه هو صف الأجنحة والقبض يطرأ على الأصل للاستظهار به على التحرك فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل لأن الفعل يدل على التجدد وقتا بعد وقت. والمعنى: إنهن صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة. ومفعول كل واحد من قوله: «صافات» و «يقبضن» محذوف أي صافات وقابضات أجنحتهن كما أشار إليه بقوله: «أي باسطات أجنحتهن» . ثم أشار إلى أن الصف الواقع حال البسط إنما هو للقوادم حيث قال: فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها وقوادم الطير مقاديم ريشه وهي عشر في كل جناح. والحصر المدلول عليه بقوله:
ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ لا ينافي توصيفهن بقوله: «صافات» و «قابضات» لأن إمساكهن مع ثقلهن وضخامة أجسامهن مسند إليه تعالى بلا واسطة، وكذا جريهن في الهواء مسند إليه تعالى إلا أنه بواسطة خلقهنّ على أشكال وخصائص هيأتهن له أو إلهامهن كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة، فإن رحمة الرحمن وسعت كل شيء ويصل بعضها إلى