حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 284
وبالسوي البصير. وقيل: من يمشي مكبا هو الذي يحشر على وجهه إلى النار. ومن يمشي سويا هو الذي يحشر على قدميه إلى الجنة.
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لتسمعوا المواعظ وَالْأَبْصارَ لتنظروا صنائعه. وَالْأَفْئِدَةَ لتتفكروا وتعتبروا قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (23) باستعمالها فيما خلقت لأجله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويخر على وجهه لوعورة طريقه واختلاف أجزائه أي وقيل: إنه يكب على وجهه لا لوعورة طريقه بل لخلل في بصره، فيكون المكب كناية عن الأعمى والماشي سويا كناية عن البصير المهتدي. والمراد من جعلهما كنايتين عن الأعمى والبصير تمثيل الكافر بالأعمى وتمثيل المؤمن بالبصير تقبيحا لحال الأول وتحسينا لحال الثاني. وكذا إذا كان المراد بالمكب من يحشر على وجهه إلى النار وبالماشي سويا من يحشر على قدميه إلى الجنة، فإن الأول إنما يحشر مكبا على وجهه لانكبابه في الدنيا على المعاصي والثاني يحشر على قدميه لكونه على الصراط السوي في الدنيا ثم إنه تعالى لمّا مثّل المشرك بالماشي مكبا أو بالأعمى أو بمن يحشر على وجهه إلى النار، أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقبح حالهم ويعيبهم بكفران نعم اللّه تعالى حيث مكنهم اللّه تعالى من إصابة الحق وسلوك سبيله بأن أعطاهم السمع والبصر والفؤاد ولم يشكروا مانحها ولم يستعملوها فيما خلقت لأجله ولم يقبلوا ما سمعوه ولم يعتبروا بما أبصروه ولم يتفكروا فيما نصب من الدلائل والمراد بقلة الشكر عدمه، فإن القلة قد تستعمل بمعنى العدم فيقال: فلما أفعل هذا أي لا أفعله. ولما كان المقصود من ذكر ما يدل على كمال قدرة اللّه تعالى وعلمه إثبات صحة البعث والجزاء ختم الآية بقوله: وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أشار به إلى أن جميع ما تقدم ذكره من الدلائل لإثبات هذا المطلوب، ولما أثبته حكى عن الكفار أنهم يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ استهزاء وسخرية وأيها ما للضعفة أنه لا أصل له كيلا يستعجلوا في القبول، ولعل قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ من قبيل يستهزئ بهم في أن لفظ المضارع للاستمرار التجددي فأمر اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يجيبهم بأن العلم بالوقوع أمر مغاير للعلم وقت الوقوع، فالعلم الأول حاصل عندي وهو كاف في الإنذار به وأما العلم الثاني فهو مختص باللّه تعالى لم يعلمني به لأخبركم. ثم إنه تعالى بيّن حالهم عند نزول العذاب الموعود لهم إن لم يؤمنوا فقال: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً والزلفة مصدر بمعنى القربة منصوب على الحالية من مفعول «رأوه» فإنه من رؤية العين أي ذا زلفة أي قريبا منهم، أو جعل نفس الزلفة للمبالغة. وأصل سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ساء الموعود برؤيته وجوههم ثم بني للمفعول. عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال: سيئت أي اسودت وعلتها الكآبة والغيرة. يقال: ساء الشيء أي قبح وسيء يساء أي قبح، فهو يستعمل لازما ومتعديا. خص الوجوه بالحزن لأن أثر السرور والكآبة يظهر فيها.