حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 288
اتصلت بها. وقد روي ذلك عن نافع وعاصم. وقرئت بالفتح والكسر كصاد. وَما يَسْطُرُونَ (1) وما يكتبون. والضمير للقلم بالمعنى الأول على التعظيم وبالمعنى الثاني على إرادة الجنس. وإسناد الفعل إلى الآلة وإجراؤه مجرى أولي العلم لإقامته مقامه أو لأصحابه أو للحفظة. و «ما» مصدرية أو موصولة.
ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) جواب للقسم. والمعنى: ما أنت بمجنون منعما عليك بالنبوة وحصافة الرأي والعامل في الحال معنى النفي. وقيل: مجنون، والباء لا تمنع عمله قبله لأنها مزيدة وفيه نظر من حيث المعنى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئت بالفتح) وهي إما فتحة بناء كما في أين وكيف، وإما حركة إعراب بأن تكون منصوبة بفعل محذوف مثل: اقرأ نون ثم يبتدأ بالقسم بقوله: وَالْقَلَمِ أو تكون منصوبة بنزع الخافض وهو حرف القسم وإيصال فعل القسم إليه ومنع الصرف للعلمية والتأنيث لأنها علم للسورة. وقرئ بالكسر أيضا لالتقاء الساكنين أو لأنها مقسم بها أضمر قبلها حرف القسم نحو: اللّه لأفعلن. وهذا الوجه ضعيف لأن حذف حرف الجر وإبقاء عمله مختص بالجلالة الكريمة ونادر فيما عداها. قوله: (على التعظيم) لأن القلم الذي خط اللوح قلم واحد مشخص لا يصح إرجاع ضمير الجمع إليه إلا بذلك التأويل، وإن أريد به جنس القلم يكون في معنى الجمع فيجمع الضمير العائد إليه لذلك. إلا أنه بقي الكلام في وجه إسناد الفعل إلى الآلة وفي التعبير عنها بلفظ العقلاء. وأجاب عنه بأن ذلك مبني على تشبيهها بالعقلاء الفاعلين من حيث إنها تظهر المراد وتبين المقصود مثلهم. قوله: (أو لأصحابه أو للحفظة) الظاهر أن الأول مبني على أن يراد بالقلم الجنس، والثاني على أن يراد به قلم الحفظة. وعلى التقديرين ذكر القلم يدل على من يستعمله فصح إرجاع الضمير إليه. قوله:
(وما مصدرية) فيكون المقسم به نفس الكتابة وإن كانت موصولة يكون المقسم به المسطور والمكتوب. قوله: (والمعنى ما أنت بمجنون منعما عليك بالنبوة وحصافة الرأي) إشارة إلى أن قوله: «أنت» اسم «ما» و «بمجنون» خبره والباء مزيدة لتأكيد النفي والباء في قوله:
«بنعمة» متعلقة بمحذوف هو في موضع النصب على أنه حال من المنوي في مجنون، أي ما أنت بمجنون ملتبسا بنعمة ربك. والحصافة بالمهملتين صحة الرأي واستقامته، والحصيف الرجل المحكم العقل، وإحصاف الأمر إحكامه.
قوله: (والباء لا تمنع عمله فيما قبله) جواب عما يقال: كيف يعمل مجنون منفيا فيما قبل الجار مع أن المعمول لا يقع إلا حيث يصح وقوع العامل فيه والمجرور لا يصح وقوعه قبل الجار؟ وإن جاز أن يعمل فيما قبله بناء على كون الباء مزيدة إلا أن فيه خللا معنويا هو أن المنفي حينئذ هو الجنون المقيد بتلك الحال، ونفي المقيد من حيث إنه مقيد لا يلزم أن