حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 289
وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا على الاحتمال أو الإبلاغ غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) مقطوع أو ممنون به عليك من الناس فإنه تعالى يعطيك بلا توسط.
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) إذ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون بانتفاء نفس المقيد بل اللازم هو مجرد انتفاء القيد سواء كان انتفاؤه بانتفاء مجموع القيد والمقيد أو بانتفاء نفس القيد فقط، كما قيل من أن نفي المقيد يرجع إلى نفي قيده.
فكون الحال قيد المجنون يستلزم ثبوت أصل الجنون مع انتفاء الحال وهو باطل ولا يلزم هذا المحذور على تقدير أن يكون العامل معنى النفي للفرق بين قولنا: الجنة المقيدة بكونها في حال كذا منفية وبين قولنا: الجنة منتفية في حال كذا، فإن القيد فيه للنفي لا للمنفي. روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال: غاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن خديجة رضي اللّه عنها إلى حرا فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير فقالت له: ما لك؟ فذكر نزول جبريل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنه قال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: 1] فهو أول ما نزل من القرآن. قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض فتوضأ وتوضأت ثم صلى وصليت معه ركعتين وقال: هكذا الصلاة يا محمد.
فذكر صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك لخديجة فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية فسألته فقال لها: ارسلي إليّ محمدا. فأرسلته فأتاه فقال: هل أمرك جبريل أن تدعو أحدا؟ فقال: «لا» فقال: واللّه لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصرا عزيزا. فمات قبل دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش فقالوا: إنه مجنون فأقسم اللّه تعالى على أنه ليس بمجنون في خمس آيات منها أول هذه السورة. ثم قال ابن عباس: إن أول ما نزل قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: 1] وهذه الآية هي الثانية. رواه الإمام في الكبير. قوله: (على الاحتمال أو الإبلاغ) أي على احتمال طعنهم فيك بالجنون وسائر أقوالهم القبيحة، أو على تبليغ أحكام رسالتك إليهم ودعائهم إلى التوحيد والطاعة. والممنون إما من منّ الشيء إذا قطعه فتكون الآية نظير قوله تعالى: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: 108] أو من منّ عليه منة أي امتن عليه أي وإن لك لأجرا غير مكدر عليك بسبب المنة عليك من الناس. وهو رد على صاحب الكشاف حيث فسره بقوله: غير ممنون به عليك لأنه ثواب تستوجبه على عملك وليس بتفضل ابتداء وإنما تمن الفواضل لا الأجور على الأعمال. ووجه الرد أنه غير مستقيم على كل واحد من المذهبين: إما على مذهب أهل السنة فلأن الثواب عندهم محض تفضل وإنما سمي أجرا تشبيها له بالأجر من حيث كونه موعودا بمقابلة العمل، وأما عند المعتزلة فلأن الثواب وإن كان أجرا عندهم إلا أن الإقدار والتمكين على العمل تفضل منه تعالى ابتداء فيصح أن يمن به على العبد، فإذا صح أن يمن على العبد بنفس العمل يصح أن يمن عليه بالأجر المترتب عليه. وكلمة «على» في قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ للاستعلاء المجازي فدلت على أنه عليه الصلاة والسّلام