حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 290
تحتمل من قومك ما لا يحتمله أمثالك. وسئلت عائشة رضي اللّه عنها عن خلقه فقالت:
كان خلقه القرآن ألست تقرأ في القرآن قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: 1]
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) أيكم الذي فتن بالجنون والباء مزيدة، أو بأيكم الجنون على أن المفتون مصدر كالمعقول والمجلود، أو بأي الفريقين منكم الجنون أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين؟ أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهم المجانين على الحقيقة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَهُوَ أَعْلَمُ مشتمل على الأخلاق الجميلة المرضية ومجبول عليها حتى صارت بمنزلة الأمور الطبيعية.
والخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة فنفس الإتيان شيء وسهولة إتيانها شيء آخر، فالحالة التي باعتبارها تحصل تلك السهولة هي الخلق. وسمي خلقا لرسوخه وثباته وصيرورته بمنزلة الخلقة التي جبل عليها الإنسان وإن توقف حصولها على اعتمال وطول رياضة ومجاهدة. قوله: (فقالت كان خلقه القرآن) يعني أنه عليه الصلاة والسّلام كان متحليا بما في القرآن من مكارم الأخلاق، ومتخليا عما يزجر عنه القرآن من سيئاتها. قوله: (أيكم الذي فتن بالجنون) إشارة إلى أن «أيكم» مبتدأ و «المفتون» بمعنى المجنون خبره وسمي المجنون مفتونا لأنه فتن أي محن بالجنون، وأن الباء مزيدة في المبتدأ كما في قولك: بحسبك زيد قيل: هذا الوجه ضعيف لأن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في لفظ حسب فقط. قوله: (أو بأيكم الجنون) على أن تكون الباء للإلصاق كما في قولك: به داء، ويكون «المفتون» مصدرا بمعنى الفتون وهو الجنون وقد يجيء المصدر على وزن المفعول نحو: معقول وميسور ومجلود يقال: ما لفلان معقول ولا مجلود أي ما له عقل ولا جلادة.
وعلى قوله: «أو بأي الفريقين منكم الجنون» تكون الباء بمعنى «في» . وفسر ضمير الخطاب في قوله: «بأيكم بالفريقين» مع أن الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولجماعة قريش وإلا لعبّر عن الفرد بالفريق. ويدل على كون الخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم ولفريق قريش ما سبق من قوله تعالى:
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ فإن خطاب تبصر له عليه الصلاة والسّلام خاصة ولا تدخل فيه الأمة فينبغي أن لا تدخل الأمة في خطاب أيكم أيضا، إلا أنه أدخلت الأمة فيه وجعل عليه الصلاة والسّلام مع أمته فريقا وجماعة قريش فريقا آخر لئلا يرد أن يقال: كيف يصح أن يقال لجماعة وفرد آخر يقابلهم في أيكم زيد؟ وهذا الوجه أوجه من الوجهين الأولين لإفادته التعريض وسلامته من حمل اللفظ على الاستعمال النادر وهو زيادة الباء في المبتدأ وجعل صيغة المفعول بمعنى المصدر. قوله: (وهم المجانين على الحقيقة) يعني أن الظاهر أن يقال: وهو أعلم بالمجانين والعقلاء لأنه هو المناسب لقوله: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ إلا أنه وضع الضال والمهتدي موضع المجانين والعقلاء إشعارا بأن المجنون في الحقيقة هو من