فهرس الكتاب

الصفحة 5086 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 296

أو كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس. سميا بالصريم لأن كلا منهما ينصرم عن صاحبه أو كالرمال.

فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ أي اخرجوا، أو بأن أخرجوا إليه غدوة. وتعدية الفعل ب «على» إما لتضمنه معنى الإقبال أو لتشبيه الغدو للصرام بغدو العدو المتضمن لمعنى الاستيلاء. إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (22) قاطعين له.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويطلق الصريم على الليل المظلم وعلى النهار أيضا لانصرام كل واحد منهما عن الآخر فهما من الأضداد ويقال لهما الصريمان، فيحتمل أن يكون المراد بالصريم في الآية الليل المظلم لأن الجنة لما احترقت واسودت صارت كالليل. ويحتمل أن يراد به النهار لأنها لما يبست وذهبت خضرتها لم يبق فيها شيء من قولهم: ابيضّ الإناء إذا فرغ، أو كالرمال فإن الصريم يطلق أيضا على قطعة ضخمة من الرمل منصرمة عن سائر الرمل، وقيل: الصريم رملة معروفة باليمن لا تنبت شيئا. وعلى التقديرين شبّهت الجنة وهي محرقة بالرملة التي لا تنبت شيئا ولا يتوقع منها نفع ولا صلاح. نقل عن القرطبي أنه قال: في الآية دليل على أن العزم على المعصية مما يؤاخذ به الإنسان لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم، ونظيرها قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الحج: 25] وقد صح أنه عليه الصلاة والسّلام قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» .

قيل: يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصا على قتل أخيه» . وعن الراغب قال: أول ما يعرض من حديث النفس السانح ثم الخاطر ثم الإرادة ثم الهم ثم العزم، والسانح والخاطر متجاوز عنهما بكل وجه وأنه متى صارا هما أو إرادة أو عزما فذلك عمل مأخوذ به، وعلى هذا قال تعالى: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ [الأنعام: 120] وقال: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة: 235] فهذا وجه التوفيق بينها وبين قوله عليه الصلاة والسّلام: «إن اللّه تجاوز لأمتي ما حدثت به نفسها» . وقوله عليه الصلاة والسّلام: «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه» . هكذا وجدت. والإشكال بعد باق لأنه لم يظهر التوفيق بين الآيات وبين قوله عليه الصلاة والسّلام: «ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه» . واللّه أعلم. قوله: (أي اخرجوا) على أن تكون «أن» مفسرة حيث تقدمها ما هو بمعنى القول وقوله: «أو بأن أخرجوا إليه غدوة» على أن تكون «أن» مصدرية أي تنادوا بهذا الكلام. قوله: (وتعدية الفعل بعلى) مع أن أصل «غدا» أن يتعدى ب «إلى» ما لتضمنه معنى الإقبال أو معنى الاستيلاء حيث إنهم غدوا للصرم وتوهموا اقتدارهم واستيلاءهم عليه وغفلوا عما أراد اللّه تعالى بهم. وجواب قوله: إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ محذوف لدلالة ما قبله عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت