حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 298
بعضهم لبعض كقوله: يتلاومون. وقيل: الحرد القصد والسرعة. قال الشاعر:
أقبل سيل جاء من أمر اللّه ... يحرد حرد الجنة المغلة
أي غدوا إلى جنتهم بسرعة قادرين عند أنفسهم على صرامها. وقيل: الحرد علم للجنة.
فَلَمَّا رَأَوْها أول ما رأوها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) طريق جنتنا وما هي بها
بَلْ أي بعد ما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا: بل نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) حرمنا خيرها بجنايتنا على أنفسنا.
قالَ أَوْسَطُهُمْ رأيا أو سنا أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ (28) لولا تذكرونه وتتوبون إليه من خبث نيتكم. وقد قاله حيثما عزموا على ذلك. ويدل على هذا المعنى
قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (29) أو لولا تستثنون، فسمي الاستثناء تسبيحا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الأول. قوله: (وقيل الحرد القصد والسرعة) يقال: حرد يحرد من باب ضرب إذا قصد وأقبل فيكون على حرد في محل النصب على أنه حال من فاعل «غدوا» أي غدوا كائنين على قصد، و «قادرين» حال ثانية أو حال من المنوي في قوله: «على حرد» . قوله: (وقيل الحرد علم للجنة) أي لجنتهم أي أقبلوا على جنتهم وقت الغداة قادرين عند أنفسهم على صرامها.
قوله: (بجنايتنا على أنفسنا) بسوء نيتنا وظلمنا على أنفسنا بمنع حق المساكين.
قوله: (ويدل على هذا المعنى) أي على أن المراد بتسبيح اللّه أن يذكروه ويتوبوا إليه ما حكى عنهم من قولهم: سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فإنهم نزهوا اللّه تعالى وقدسوه عن كل سوء ونقصان لا سيما عن أن يكون ظالما فيما فعل بهم واعرفوا على أنفسهم بكونهم ظالمين في قصدهم حرمان المساكين اتباعا لشح أنفسهم، فكأنهم قالوا: نستغفر اللّه من سوء صنعنا ونتوب إليه من خبث نيتنا حيث قصدنا عدم إخراج حق المساكين من غلة بستاننا، واعترفوا بذنبهم حيث قالوا: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ وإن كان المراد بالتسبيح الاستثناء يكون معنى قول الأوسط: هلا تنزهون اللّه عن أن يجري في ملكه ما لا يريده بأن تقولوا لنصرمنّها مصبحين إن شاء اللّه؟ ومعنى قولهم: سُبْحانَ رَبِّنا تنزه ربنا عن أن يجري في ملكه شيء إلا بإرادته ومشيئته وهو في معنى الاستثناء. واختلف أهل التفسير في أن ما قاله أهل تلك الجنة إلى قوله: إِلى رَبِّنا راغِبُونَ [القلم: 32] هل هو توبة منهم؟ فمنهم من توقف في ذلك وقال:
يحتمل أن يكون هذا الكلام منهم من قبيل ما يكون من المشركين إذا أصابتهم الشدة. وذهب الأكثرون إلى أنهم قالوا ذلك بطريق التوبة والإخلاص. روي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال: بلغني أن القوم أخلصوا وعرف اللّه منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البعير منه عنقودا. كذا في معالم التنزيل وفي التيسير والكشاف. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة فرأيت كل عنقود منها كالرجل القائم. قوله: (أو لولا تستثنون)