حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 300
ليس فيها إلا التنعم الخالص.
أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) إنكار لقول الكفرة، فإنهم كانوا يقولون: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا بل نكون أحسن حالا منهم كما نحن عليه في الدنيا.
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) التفات فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له، وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي.
أَمْ لَكُمْ كِتابٌ من السماء فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) تقرؤون
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (38) أن لكم ما تختارونه وتشتهونه. وأصله «أن لكم» بالفتح لأنه المدروس، فلما جيء باللام كسرت. ويجوز أن يكون حكاية للمدروس أو استئنافا وتخير الشيء واختاره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عندية الجنة بالنسبة إلى اللّه تعالى مكانية جعل المصنف عنديتها عبارة عن عندية الدار الآخرة بمعنى أنها لا ملك ولا حاكم فيها إلا اللّه عز وجل، أو عندية قدسه تعالى وطهارته فإن الجنة يقال لها دار القدس وحضرة القدس لكونها مظهر قدس اللّه تعالى ودليلا عليه، فالمجاورة بمعنى الملابسة المثبتة له. قال النحويون: الفرق بين عند ولدي أنه إذا قيل: المال عند زيد يصدق ذلك سواء كان المال حاضرا عنده أو غائبا كائنا في شيء يلابسه كبيته وصندوقه وأمينه ونحو ذلك، بخلاف ما إذا قيل: المال لدى زيد فإنه لا يصدق إلا إذا كان المال حاضرا عنده. قوله: (ليس فيها إلا التنعم الخالص) أي لا يشوبها شيء مما يكدر ما فيها من وجوه التنعم كما يشوب ذلك جنات الدنيا والحصر المذكور مستفاد من إضافة جنات إلى النعيم، فإنها تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه وذلك لا يكون إلا بأن لا يكون فيها إلا النعيم الخالص، ففيه تعريض بأن جنات الدنيا مشوبة بما يكدر العيش وينغص التنعم والاستراحة.
عن مقاتل قال: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن اللّه فضلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يكن التفضيل فلا أقل من المساواة. فأجاب اللّه تعالى فيه على وجه الإنكار بقوله: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ثم وبخهم بقوله:
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ و «كيف» في موضع الحال من المنوي في «لكم» الراجع إلى «ما» .
قوله: (وأصله أن لكم بالفتح) جواب عما يقال: إن الجمهور قرؤوا بكسر همزة «إن» والحال أن كلمة «إن» مع ما في حيزها واقعة موقع مفعول «تدرسون» والمعنى: تدرسون في الكتاب أن لكم ما تختارونه لأنفسكم وأن يكون العاصي كالمطيع بل يكون أرفع حالا منه فائتوا بكتابكم إن كنتم صادقين. وتقرير الجواب: نعم إن الأصل الفتح إلا أنها كسرت لدخول لام الابتداء في اسمها فإن لام الابتداء لا تدخل على ما في حيز «أن» المفتوحة تقول: علمت أنك عاقل بالفتح وتقول: علمت أنك لعاقل بالكسر، وكسر «أن» بعد تدرسون لأنه علق عنه لما فيه من معنى العلم. قوله: (ويجوز أن يكون حكاية للمدروس أو استئنافا)