حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 312
جمع حاسم من حسمت الدابة إذا تابعت بين كيها، أو نحسات حسمت كل خير واستأصلته، أو قاطعات قطعت دابرهم ويجوز أن يكون مصدرا منتصبا على العلة بمعنى قطعا أو المصدر لفعله المقدر حالا أي تحسمهم حسوما ويؤيده القراءة بالفتح وهي كانت أيام العجوز من صبيحة أربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر. وإنما سميت عجوزا لأنها عجز
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعذيبهم بتسخير الريح عليهم فقال: سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ ثم بيّن أن ذلك التعذيب لم يكن متفرقا في تلك المدة بل كان على التتابع والتوالي بحيث لم يخل يوما من تلك الأيام ولا ليلة من لياليها عن ذلك فقال: حُسُومًا أي متتابعة من غير فتور ولا انقطاع في تلك المدة. وقوله تعالى: «سَبْعَ لَيالٍ» منصوب على الظرفية و «حسوما» حال من مفعول «سخرها» أي أرسلها عليهم بقدرته في حال كونها متتابعة الهبوب في تلك المدة من غير فتور ولا انقطاع إلى أن تستأصل القوم وتقطع دابرهم، وهو جمع حاسم كشهود وعهود جمع شاهد وعاهد، فقوله: «حسوما» بمعنى حاسمات. عبّر عن الريح الصرصر بلفظ الجمع لكثرتها باعتبار وقوعها في تلك الليالي والأيام، ومعنى الحسم في اللغة القطع بالاستئصال وسمي السيف حساما لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته، وسمي كي الدابة ذات الداء إلى أن يزول عنها الداء بأصله وتنقطع مادة الداء بالكلية حسما لأن الفاعل يعيد الكي على الدابة كرة بعد أخرى إلى أن يستأصل المادة ويقطعها بالكلية. ولما كانت الرياح متتابعة ما سكنت ساعة حتى أهلكتهم جميعا شبه تتابعها عليهم بتتابع فعل الحاسم في إعادته الكي على الدابة مرة بعد أخرى حتى ينحسم ما بها، فسمي ذلك التتابع حسما وسميت الرياح من حيث تتابع هبوبها إلى أن تهلك القوم بالكلية حاسمات على سبيل الاستعارة. والحاصل: أن تلك الرياح فيها ثلاث حيثيات: الأولى تتابع هبوبها، والثانية كونها قاطعة لكل خير ومستأصلة لكل بركة أتت عليها، والثالثة كونها قاطعة دابرهم فسميت حسوما بمعنى حاسمات إما تشبيها لها بمن يحسم داء الدابة في تتابع الفعل وإما لأن الحسم في اللغة القطع والاستئصال. قوله:
(ويجوز أن يكون مصدرا) عطف على قوله: «جمع حاسم» أي ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الحسم على وزن الشكور والكفور منصوبا على أنه مفعول له أي سخرها عليهم لأجل حسمهم واستئصالهم، أو على أنه مصدر مؤكد لفعله المقدر أي تحسمهم حسما وتستأصلهم استئصالا، وتكون الجملة في محل النصب على أنها حال من الضمير المنصوب في «سخرها» . ويؤيده القراءة بفتح الحاء فإن «حسوما» في هذه القراءة حال بمعنى سخرها عليهم قاطعا مستأصلا. قوله: (وهي كانت أيام العجوز) وهي أيام في آخر الشتاء ذات برد ورياح شديدة تسميها العرب أيام العجوز إما لأنها في عجز الشتاء، أو لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا، وهو بفتحتين بيت في الأرض، فانتزعتها الريح فأهلكتها.