حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 325
تذكر أحوال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومعاني القرآن المنافية لطريقة الكهنة ومعاني أقوالهم. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالياء فيهما
تَنْزِيلٌ هو تنزيل مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (43) نزله على لسان جبريل
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (44) سمي الافتراء تقولا لأنه قول متكلف والأقوال المفتراة أقاويل تحقيرا بها كأنها جمع أفعولة من القول كالأضاحيك.
لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) يمينا.
ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) أي نياط قلبه بضرب عنقه. وتصوير لإهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه وهو أن يأخذ القتال بيمينه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محذوف للفعل الذي بعده وأن «ما» مزيدة للتأكيد. قوله: (المنافية لطريقة الكهنة ومعاني أقوالهم) من قبيل اللف والنشر المرتب، فإن الكاهن من تأتيه الشياطين ويلقون إليه ما سمعوه من أخبار السماء فيخبر الناس بما سمعه منهم، وطريقه عليه الصلاة والسّلام منافية لطريق الكاهن من حيث إن ما يلقيه من الكلام مشتمل على ذم الشياطين وسبهم فكيف يمكن أن يكون ذلك بإلقاء الشياطين إليه؟ فإنهم لا يلقون فيه ذمهم وسبهم لا سيما على من يلعنهم ويطعن فيهم. وكذا معاني ما بلغه عليه الصلاة والسّلام منافية لمعاني أقوال الكهنة فإنهم لا يدعون إلى تهذيب الأخلاق وتصحيح العقائد والأعمال المتعلقة بالمبدأ والمعاد بخلاف معاني أقواله عليه الصلاة والسّلام، فلو تذكر أهل مكة معاني القرآن ومعاني أقوال الكهنة لما قالوا بأنه قول كاهن. قوله: (وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالياء) أي بياء الغيبة فيهما أي في قوله: «يؤمنون» و «يذكرون» على الالتفات. وقرأ الجمهور بتاء الخطاب على وفق قوله:
«بما تبصرون وما لا تبصرون» . قوله: (كأنها جمع أفعولة) إشارة إلى وجه كون هذه التسمية تحقيرا للأقوال المفتراة، فإن صيغة أفعولة إنما تطلق على محقرات الأمور غير أنها كالأعجوبة لما يتعجب منه والأضحوكة لما يضحك منه، وأقوولة ليس بمستعمل فلذلك لم يقطع بكون الأقاويل جمعا له بل قال كأنها جمع أفعولة للإشعار بأن كونه على صورة جمع أفعولة كاف في التحقير. والظاهر أن الأقاويل جمع أقوال وأقوال جمع قول كأناعيم جمع إنعام وأنعام جمع نعم. قوله: (نياط قلبه) الجوهري: النياط عرق أبيض غليظ كالقصبة علق به القلب من الوتين فإذا قطع مات صاحبه. وقال أيضا: الوتين عرق في القلب متصل بالرأس إذا انقطع مات صاحبه. قوله: (وهو تصوير لإهلاكه بأفظع ما الخ) يعني أنه تعالى لم يكتف بأن يقول: لو نسب إلينا قولا لم نقله لأهلكناه أو لضربنا عنقه، بل عدل إلى ما يدل على سخط اللّه تعالى عن من افترى عليه للدلالة على أن الافتراء عليه موجب لذلك، والوجه في كون الإهلاك بأن يأخذ الجلاد بيمين الجاني فيضرب عنقه أفظع وجوه الإهلاك أن الجلاد حينئذ يضرب بالسيف في جيده مواجهة من جهة أمامه وهو أشد على المقتول من أن يضرب عنقه من جهة قفاه، لأنه ينظر إلى السيف حينئذ فإن الجلاد إذا أراد أن يضرب قفا المقتول،