حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 346
ويجلب إليهم المنح. ولذلك وعد لهم عليه ما هو أوقع في قلوبهم. وقيل: لما طالت دعوتهم وتمادى إصرارهم حبس اللّه عنهم القطر أربعين سنة وأعقم أرحام نسائهم فوعدهم بذلك على الاستغفار عما كانوا عليه بقوله:
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا (12) ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء والسماء يحتمل المظلة والسحاب والمطر. والمدرار كثير الدرور يستوي في هذا البناء المذكر والمؤنث. والمراد بالجنات والبساتين.
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا (13) لا تأملون له توقيرا أي تعظيما لمن عبده وأطاعه فتكونون على حال تأملون فيها تعظيمه إياكم وللّه بيان للموقر ولو تأخر لكان صلة للوقار، أو لا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولذلك) أي ولكون الاستغفار من الذنوب والمعاصي كما يمحو الذنوب والمعاصي يجلب للمستغفر منافع الدنيا من الخصب والغنى، وعد عليه الصلاة والسّلام لهم على ما هو أوقع في قلوبهم من الخيرات العاجلة فقال: يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا فإنه مجزوم على أنه جواب الأمر فإنهم لما قالوا: إن كنا على باطل فكيف يقبلنا من عصيناه؟ قال نوح عليه السّلام: إنكم وإن كنتم قد عصيتموه ولكن استغفروا من تلك الذنوب والمعاصي، فإن شأنه تعالى الغفارية وبيّن لهم أن الاستغفار والتوبة عن الكفر والمعاصي يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة منافع الدنيا وخيراتها. قوله: (وقيل لما طالت الخ) عطف على قوله: «كأنهم لما أمرهم» الخ فيكون وجها آخر لارتباط هذه الآية بما قبلها. قوله: (فوعدهم بذلك) أي بما هو أوقع في قلوبهم. والمدرار من أوزان المبالغة بمعنى كثير الدرور وهو الانصباب و «مدرارا» حال من السماء. قوله: (والسماء يحتمل المظلة) على ما قيل من أن المطر ينزل منها إلى السحاب. ويطلق السماء أيضا على كل ما علاك كالسحاب وسقف البيت. فعلى التقديرين يكون المعنى: يرسل ماء السماء فحذف المضاف ويطلق على نفس المطر أيضا كما في قوله:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
فحينئذ لا حاجة إلى تقدير المضاف. قوله: (لا تأملون له توقيرا) على أن الرجاء على أصله وهو الأمل والطمع والوقار اسم بمعنى التوقير كالسلام بمعنى التسليم. قوله: (وللّه بيان للموقر) أي للذي يفعل التوقير والتعظيم فكأنهم لما سمعوا قوله: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ أن توقروا وتعظموا على بناء المفعول قالوا: لمن التوقير والتعظيم؟ أي من الذي يعظمنا ويوقرنا فقيل: اللَّهِ* أي التوقير للّه. وأصل للّه أن يكون مؤخرا عن «وقارا» على أنه صفة له، فلما قدم امتنع أن يكون صفة له و «لا» متعلقا به لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه فتعيّن كونه للبيان.