فهرس الكتاب

الصفحة 5150 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 359

وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) اعتذار عن اتباعهم للسفيه في ذلك بظنهم أن أحدا لا يكذب على اللّه. و «كذبا» نصب على المصدر لأنه نوع من القول أو الوصف لمحذوف أي قولا مكذوبا فيه. ومن قرأ «لن تقول» كيعقوب جعله مصدرا لأن التقول لا يكون إلا كذبا.

وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِ فإن الرجل كان إذا أمسى بقفر قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في نظم الآية صفة مصدر محذوف، ولما كان الشطط عبارة عن مجاوزة الحد والقدر في أي شيء كان احتيج إلى تقدير المضاف، لأن القول لا يوصف بأنه في نفسه بعد عن الحق ومجاوزة الحد إلا على طريق المبالغة كما في: رجل عدل، وإنما يقال: قول شاط أو ذو شطط، فقدر المضاف لذلك ثم أشار إلى جواز كونه من قبيل التوصيف بالمصدر للمبالغة لفرط ما أشط أي أبعد ذلك السفيه في ذلك القول الدال على نسبة الصاحبة والولد إليه تعالى. قوله: (اعتذار) كأنهم قالوا: ظننا أن الشأن لن تقول الإنس والجن على اللّه كذبا فلذلك صدقنا سفهاءنا في أن للّه شريكا وصاحبة وولدا، فلما سمعنا القرآن وتبين لنا أنه الحق علمنا أنهم قد كذبوا عليه تعالى. وهذا منهم إقرار بأنهم إنما وقعوا في تلك الجهالة بسبب التقليد وأنهم إنما تخلصوا من تلك الظلمات ببركة الاستدلال والتفكر في آيات اللّه تعالى.

قوله: (جعله مصدرا) أي مصدرا مؤكدا لفعله لأن «كذبا» بمعنى تقولا كأنه قيل: لن تقول تقولا. ولا يجوز أن يكون صفة «لتقولا» المحذوف المؤكد لفعله لأن التقول لا يكون إلا كذبا فلا فائدة في توصيفه بالكذب. و «إن» فيه مخففة من الثقيلة أي ظننا أنه، والضمير للشأن وكذا ضمير «إنه» في قوله: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ أي وأن الشأن كان رجال من الإنس.

و «رجال» اسم «كان» و «من الإنس» صفة لرجال وكذا «من الجن» ، و «يعوذون» خبر «كان» و «رهقا» مفعول ثان «لزاد» . واختلفوا في فاعله؛ فقيل: الإنس أي فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بهم كفرا وعتوا حتى قالوا سدنا الجن والإنس وقطعوا بذلك من كفرهم، وقيل:

بل فاعله هو الجن أي فزاد الجن الإنس بذلك طغيانا في الكفر، فإن الإنس إذا عاذوا بهم وأمنوا في منزلهم ظنوا أن ذلك من الجن فازدادوا رغبة في طاعة الشياطين وقبول وساوسهم.

والمصنف أشار إلى جواز الوجهين وتقديم الوجه الأول. قال مقاتل: أول من تعوّذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثم قوم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب. فلما جاء الإسلام عاذوا باللّه وتركوهم. روي عن رجل أنه قال: خرجت مع أبي إلى المدينة أول ما ذكر مبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأتاني المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فحمل حملا من الغنم فقال الراعي: يا عامر الوادي جارك اللّه، فنادى مناد: يا سرحان أرسله. فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم ولم يصبه كدمه فأنزل اللّه تعالى على رسوله بمكة وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت