حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 360
فَزادُوهُمْ فزادوا الجن باستعاذتهم بهم رَهَقًا (6) كبرا وعتوا، أو فزاد الجن الإنس غيا بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم. والرهق في الأصل غشيان الشيء.
وَأَنَّهُمْ وإن الإنس ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيها الجن أو بالعكس. والآيتان من كلام الجن بعضهم لبعض، أو استئناف كلام من اللّه. ومن فتح «أَنْ» فيهما جعلهما من الموحى به. أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7) ساد مسد مفعولي «ظَنُّوا» .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا أي زاد الإنس الجن خطيئة. والرهق الإثم في كلام العرب، وأضيفت الزيادة إلى الجن إذ كانوا سببا لها، أو زاد الإنس الجن كفرا وغيا فإن الإنس باستعاذتهم بالجن كانوا سببا لزيادة غيهم. قوله: (والرهق في الأصل غشيان الشيء) أي إتيانه على وجه استيلاء والإحاطة بالمأتي قال تعالى: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ [يونس: 26] استعمل فيما يأتي من نحو الإثم والشر والكبر والغي. نقل عن الإمام الواحدي أنه قال: الرهق غشيان الشيء، ومنه قوله تعالى: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ ورجل مرهق أي يغشاه السائلون. والمعنى: أن رجال الإنس إنما استعاذوا بالجن خوفا من أن يغشاهم الجن، ثم إنهم زادوا في ذلك الغشيان فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا باللّه تعالى استذلوهم واجترؤوا عليهم فزادوهم ظلما. وعلى هذا القول «زادوا» من فعل الإنس والقول الأول هو اللائق بمساق الآية والموافق لنظمها. قوله: (والآيتان من كلام الجن بعضهم لبعض أو استئناف كلام من اللّه) الآية الأولى هي قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ فمعناها على أن تكون من كلام الجن ما قال مقاتل: إن مؤمني الجن لما رجعوا إلى قومهم منذرين كذبوهم فقال مؤمنو الجن لكفارهم وأنهم يعنون كفار الإنس: ظنوا ظنا مثل ظنكم يا معشر الجن، إن الشأن لن يبعث اللّه أحدا بالرسالة بعد عيسى أو بعد موسى، أو لن يبعث اللّه أحدا بعد الموت للحساب والجزاء. ثم إنهم لما بعث اللّه إليهم سيد المرسلين محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالقرآن المعجز آمنوا به وصدقوه في جميع ما أخبر به، فافعلوا أنتم يا معشر الجن مثل ما فعله الإنس. ومعناها على أن تكون من جملة الوحي أي وأن الجن ظنوا كما ظننتم يا كفار قريش أن لن يبعث اللّه رسولا إلى خلقه يقيم به الحجة عليهم، أو لن يبعث اللّه الخلق بعد موتهم. فالمقصود تأكيد الحجة على قريش بأنه إذا آمن هؤلاء الجن بمحمد النبي الأمي وبما أخبر به فأنتم أحق بذلك، وكونهما من كلام الجن أظهر وأولى لأن ما قبلهما وما بعدهما من كلام الجن وإدخال كلام أجنبي بين كلامهم غير مناسب. وأشار بقوله: «ومن فتح «أن» فيهما جعلهما من الموحى به» إلى أن جريان الاحتمالين إنما هو على تقدير القراءة بكسر «إن» فيهما، وأما على تقدير القراءة بالفتح فالاحتمال الثاني هو المتعين.
قوله: (ساد مسد مفعولي ظنوا) أعمل الفعل الأول وهو «ظنوا» مع أن «ظننتم» أيضا