حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 367
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ أي النبي وإنما ذكر لفظ العبد للتواضع فإنه واقع موقع كلامه عن نفسه والإشعار بما هو المقتضي لقيامه. يَدْعُوهُ يعبده كادُوا كاد الجن يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) متراكمين من ازدحامهم عليه تعجبا مما رأوا من عبادته وسمعوا من قراءته، أو كاد الجن والإنس يكونون عليه مجتمعين لإبطال أمره. وهو جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد. وعن ابن عامر «لبدا» بضم اللام جمع لبدة وهي لغة. وقرئ «لبدا» كسجدا جمع لا بد ولبدا بضمتين كصبر جمع لبود.
قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) فليس ذلك ببدع ولا منكر يوجب تعجبكم أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السجود من الجسد. قال عطاء: مساجد أعضائك التي أمرت بالسجود عليها لا تذللها لغير خالقها قال عليه الصلاة والسّلام: «أمرت أن أسجد على سبعة آراب وهي: الوجه واليدان والركبتان والقدمان» . والآراب الأعضاء جمع أرب وهو العضو وأصله ءاراب بهمزتين كجمل وأجمال، والمساجد على تقدير كونه جمع مسجد بمعنى السجود جمع مع أن الأصل في المصدر أن لا يثنى ولا يجمع لقصد الأنواع، فإن أنواع السجود مختلفة باختلاف أوقات الصلوات الخمس وتلاوة آيات السجود. قوله: (وإنما ذكر لفظ العبد) يعني أن الظاهر أن يقال: وإن الشأن لما قمت أدعوه أي أعيده كادوا يكونون علي لبدا، لأن هذا الكلام من جملة الموحى به إلا أنه عدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر لفائدتين: التواضع والإشعار بما هو سبب قيامه وعبادته للّه تعالى وهو كونه عبدا له.
قوله: (أو كاد الجن والإنس) عطف على قوله: «كاد الجن» الأول على أن يقرأ و «أنه» بفتح الهمزة ويكون الكلام من جملة الموحى به، والثاني على أن يقرأ بكسر الهمزة وهي قراءة نافع وأبي بكر على أنه ابتداء كلام من اللّه تعالى، أو على أنه من قول الجن لقومهم بأن قالوا حين رجعوا إليهم لما قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي: كاد كفار الإنس والجن يتلبدون ويتظاهرون عليه ليبطلوا الحق الذي جاء به ويطفئوا نور اللّه، فأبى اللّه إلا أن ينصره ويظهره على من عاداه. يريدون بهذا القول تقبيح حال الكفرة والطعن عليهم في اجتماعهم على الناصح الأمين وطلب منعه عن إظهار ما جاء به من الحق المبين مع كونه موافقا لقانون العقل ومقتضى الحكمة ومؤيدا بالشواهد والمعجزات الباهرة. وأصل المقصود ترغيب قومهم في قوله: «والانقياد له» . قوله: (وهو جمع لبدة) يعني أن الجمهور قرؤوا «لبدا» بكسر اللام وفتح الباء المخففة وهو جمع لبدة كقربة وقرب، واللبدة الشيء المتلبد أي المتراكب المتلاصق بعضه فوق بعض، والمعنى: كادوا يكونون عليه جماعة متراكبة مزدحمة. وقرئ «لبدا» بضم اللام وفتح الباء مشددة وهو جمع لا بد كسجدا في جمع ساجد. وقرئ «لبدا» بضم اللام والباء خفيفة وهو جمع لبود كصبر في جمع صبور. قوله: (يوجب تعجبكم أو