حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 368
إطباقكم على مقتي. وقرأ عاصم وحمزة قل على الأمر للنبي عليه السّلام ليوافق ما بعده.
قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (21) ولا نفعا أو غيا ولا رشدا. عبّر عن أحدهما باسمه وعن الآخر باسم سببه أو مسببه إشعارا بالمعنيين. قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ إن أرادني بسوء.
وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) منحرفا وملتجأ.
إِلَّا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إطباقكم على مقتي) لف ونشر مرتب فإذا كان معنى الآية المتقدمة: وأوحى إليّ لما قمت أعبد اللّه كاد الجن تتلبد عليّ وتعجب مما رأوا من عبادتي للّه تعالى وحده متبرئا من الشرك والأوثان كما هو دأبهم لأنهم رأوا ما لم يروا مثله وسمعوا ما لم يسمعوا نظيره فلا جرم ازدحموا عليه متعجبين، يكون معنى قوله: قال إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي أنه عليه السّلام قال للجن عند ازدحامهم عليه متعجبين مما رأوا وسمعوا: ليس ما ترون من عبادتي للّه تعالى ورفضي الإشراك به يتعجب منه، وإنما يتعجب ممن يدعو غير اللّه ويجعل له شريكا. وإن كانت الآية المتقدمة ابتداء كلام من اللّه تعالى أو من قول الجن وكان معناها كاد الإنس والجن يزدحمون عليه ويتظاهرون لإبطال أمره، يكون معنى الثانية أنه عليه السّلام قال للمتظاهرين عليه: إنما أدعو ربي أي ما أتيتكم بأمر منكر إنما أعبد ربي وحده ولا أشرك به أحدا وليس ذلك مما يوجب إطباقكم على مقتي وعداوتي، وقيل: سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: إنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا ونحن نجيرك.
فأنزل اللّه تعالى: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي على قراءة حمزة وعاصم. ومن قرأ (قال) حمل ذلك على أن القوم لما قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك أجابهم بقوله: أَدْعُوا رَبِّي فحكى اللّه تعالى عنه بقوله: قالَ.* قوله: (ولا نفعا) أي يجوز أن يفسر الرشد بالنفع على طريق إطلاق اسم السبب وإرادة المسبب. ويجوز أن يكون الرشد بمعناه ويكون الضر بمعنى الكفر والغي على طريق إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب، فإن الرشد سبب النفع والضر مسبب عن الغي. وعبّر به حتى يكون في تقرير الكلام إشعار بالمعنيين: الأول: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا والثاني: لا أملك لكم غيا ولا رشدا، وكلا المعنيين مناسب للمقام. فإن النافع والضار والمرشد والمغوي هو اللّه تعالى، وأن أحدا من الخلق لا قدرة له عليه، فإني وإن أردت منكم الاهتداء والرشد بالإيمان والطاعة ونهيتكم عن الغي بالكفر والعصيان، فإنكم قابلتموني بالمخالفة والتظاهر على عداوتي وبغضي فليس في يدي إدخالكم في الرشد ولا إبقاؤكم في الكفر والغي، وليس في يدي أيضا إضراركم بالعقوبة على الكفر والغي ولا نفعكم بالإثابة على الرشد والإيمان. قوله: (منحرفا وملتجأ) يقال: ألحد في دين اللّه والتحد فيه أي مال عنه وعدل، ويقال للملجأ: ملتحد لأن اللاجئ يميل إليه، أي لن ينقذني مما قدر اللّه تعالى علي من السوء أحد إن استحفظته ولن أجد من دونه ملتحدا لأعدل إليه إلا هو.