فهرس الكتاب

الصفحة 5171 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 380

أو إمهالا.

إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا تعليل للأمر والنكل القيد الثقيل. وَجَحِيمًا (12) وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ طعاما ينشب في الحلق كالضريع والزقوم. وَعَذابًا أَلِيمًا (13) ونوعا آخر من العذاب مؤلما لا يعرف كنهه إلا اللّه. ولما كانت العقوبات الأربع مما يشترك فيها الأشباح والأرواح، فإن النفوس العاصية المنهمكة في الشهوات تبقى مقيدة بحبها والتعلق بها عن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خطر بالبال أن من بعث لدعوة الخلق وإرشادهم كيف يهجر المكذبين مع أن تهديدهم بالمجازاة على الكذب أدخل في ظهور آثار الرسالة دفع ذلك الخاطر بقوله: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ يعني نعم إن الأمر كذلك إلا أنه ينبغي أن تكل أمر مجازاتهم إليّ وأن لا تهتم بهم وأنا أكفيكهم. وقوله تعالى: وَالْمُكَذِّبِينَ يجوز أن يكون انتصابه على أنه مفعول معه أو على أنه معطوف على ياء المتكلم في «ذَرْنِي» ، والأول هو الأنسب بالمقام والثاني أوفق بصناعة العربية لأن المتبادر من نحو قولك: ضربت زيدا وعمرا إنما هو مجرد مشاركة الواو لما قبلها في ملابسة معنى العامل بكل واحد منهما وهو معنى العطف، ولا يفهم منه كون تلك الملابسة بطريق المعية وإنما يفهم ذلك إذا كان الفعل المذكور قبلها لازما، فإنه إذا كان لازما يكون ما بعد الواو على تقدير العطف مرفوعا ويكون العدول إلى النصب نصا على قصد المعية والمصاحبة في ملابسة الفعل، فإن العطف لا يدل إلا على أن ما بعد الواو مشارك لما قبلها في ملابسة الفعل لكل واحد منهما، والنصب كما يدل على تلك المشاركة يدل أيضا على كون تلك الملابسة في زمان واحد مثلا إذا قلت: سرت وزيدا بالنصب يكون زيد مشاركا للمتكلم في ملابسة السير لكل واحد منهما وفي وقوعهما معا بخلاف ما إذا قلت: سرت أنا وزيد بالعطف، فإنه إنما يدل على مشاركتهما في السير فقط ولا يدل على المعية فيه، فظهر أن النصب إنما يكون نصا على المعية والمصاحبة إذا كان الفعل لازما.

و «ذَرْنِي» في الآية متعد والنعمة بفتح النون التنعم وهو مطاوع نعم يقال: نعمه اللّه وناعمه فتنعم، والنعمة بالكسر ما أنعم به عليك. قوله: (تعليل للأمر) أي بالإمهال فإن تعداد ما عنده من أسباب التعذيب بيان لاقتداره على الانتقام منهم والجحيم كل نار عظيمة في مهواة وهي ما بين الجبلين والغصة الشجي وما يقف في الحلق ولا ينساغ فيه. والطعام ذو الغصة هو الطعام الذي يقف في الحلق لا ينزل ولا يخرج. وتنكير «عذابا» وإبهام كيفيته يدل على كونه في نهاية الهول والشدة بالنسبة إلى ما تقدم عليه من الأمور الثلاثة، وكونه للتهويل لا ينافي كونه للنوعية.

قوله: (فإن النفوس العاصية المنهمكة في الشهوات) بيان لكون تلك العقوبات مما يصح أن يعاقب بها الأرواح، ولم يتعرض لبيان كونها عقوبات للأشباح لظهوره واستغنائه عن البيان، وكون الأرواح العاصية بعد مفارقتها عن الأبدان باقية على التقييد بحب الشهوات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت