حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 381
التخلص إلى عالم المجردات متحرقة بحرقة الفرقة متجرّعة غصة الهجران معذبة بالحرمان من تجلي أنوار القدس. فسر العذاب بالحرمان من لقاء اللّه تعالى.
يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ تضطرب وتتزلزل ظرف لما في «لدينا أنكالا» من معنى الفعل. وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا رملا مجتمعا كأنه فعيل بمعنى مفعول من كثبت الشيء إذا جمعته مَهِيلًا (14) منثورا من هيل هيلا إذا نثر.
إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ يا أهل مكة رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ يشهد عليكم يوم القيامة بالإجابة والامتناع. كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) يعني موسى عليه الصلاة والسّلام ولم يعينه لأن المقصود لم يتعلق به.
فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ عرفه لسبق ذكره. فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16) ثقيلا من قولهم:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والتعلق بها المانع من التخلص إلى عالم المجردات بمنزلة الأنكال والقيود المانعة عن الوصول إلى ما مر من المشتهيات، ثم يتولد عن تلك القيود الروحانية روحانية شبيهة بالجحيم. فإن شدة ميلها إلى ما فارقت عنه من الشهوات الدنيوية وعدم تمكنها من الوصول إليها يوجب حرقة شديدة وروحانية شبيهة بالإحراق بنار الجحيم وهي حرقة فراق المشتهيات، ويصير تألم الروح بألم هذا الفراق على الاستمرار والدوام بمنزلة طعام ذي غصة لا يسوغ ولا يخرج من الحلق، ثم حرمانه من أن يتجلى له نور جمال اللّه تعالى ويتلذذ بالمعارف الإلهية والأسرار الربانية وينخرط في سلك المقربين عذاب أليم أشد عليه من جميع العقوبات الثلاث. قوله: (فسر العذاب) جواب لما أشار به إلى أن اللائق بهذا المفسر أن يفسر العقوبات الثلاث الأول بما يعم العقوبات الروحانية، وأن يكون ما ذكره من تفسير العذاب بالحرمان من لقاء اللّه تعالى للإشارة إلى كون العذاب متناولا له كما يتناول العذاب الجسماني. قوله: (منثورا) إشارة إلى أن «مهيلا» اسم من هلت الشيء إذا صببته من غير كيل وحساب، أي تكون الجبال بعد ما كانت أوتاد الأرض قطعة مجتمعة كالرمل المهيل لا تتماسك أجزاؤها بل تصير شيئا منثورا أي متفرق الأجزاء بأن ينسف اللّه تعالى أجزاءها أي يقلع بعضها من بعض ويجعلها كالعهن المنفوش، فعند ذلك تصير كالكثيب ثم إنه تعالى يحركها كما قال: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ [الكهف: 47] فعند ذلك تصير مهيلا أي رملا سائلا متناثرا. ثم إنه تعالى لما خوّف المكذبين أولي النعمة بأهوال القيامة خوفهم بعد ذلك بأهوال الدنيا فقال: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا الآية فإن المقصود تهديد أهل مكة بالأخذ الوبيل، وأن في إعادة فرعون والرسول مظهرين تفظيعا لشأن عصيانه وأن ذلك لكونه عصيان الرسول لا لكونه عصيان موسى. وفيه أن عصيان المخاطبين أفظع وأدخل في الذم إذ زاد لهذا الرسول وصفا آخر أعني شاهِدًا عَلَيْكُمْ وأدمج فيه أنهم لو آمنوا لكانت الشهادة لهم لا عليهم.