حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 383
عن غيرها. والباء للآلة. كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18) الضمير للّه عز وعلا أو لليوم على إضافة المصدر إلى المفعول.
إِنَّ هذِهِ الآيات الموعدة تَذْكِرَةٌ عظة فَمَنْ شاءَ أن يتعظ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (19) أي يتقرب إليه بسلوك التقوى.
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ استعار الأدنى للأقل لأن الأقرب إلى الشيء أقل بعدا منه. وقرأ ابن كثير والكوفيون و «نصفه وثلثه» بالنصب عطفا على أدنى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالطول مع قطع النظر عن التعرض لما فيه من الهموم. واعترض على الوجه الأخير بأن ذلك اليوم أطول من مدة بلوغ الطفل أوان الشيخوخة فلا يوصف طوله بهذه العبارة.
ويمكن أن يجاب عنه بأنه مبني على عادة العرب فإنهم يعبرون بمثل هذه العبارة عن غاية الطول مع قطع النظر عن ملاحظة خصوص المدة المدلول عليها بالعبارة كما يعبرون عن التأبيد وعدم الانقطاع بقولهم: ما ناحت حمامة وما لاح كوكب وما تعاقبت الأيام والشهور، وقال تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [هود: 107 و 108] ذكر اللّه تعالى من هول ذلك اليوم أمرين: الأول قوله: يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا والثاني قوله:
السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ فإن السماء على عظمها وشدتها إذا انشقت بسبب ذلك اليوم فما ظنك بغيرها من الخلائق؟.
قوله: (الضمير للّه تعالى) وإن لم يجر له ذكر للعلم به فيكون المصدر مضافا إلى فاعله أي وإن وعده تعالى بكون يوم القيامة على ما وصف به من الشدائد كائن لا محالة لأنه تعالى لا يخلف الميعاد، وإن كان من إضافة المصدر إلى مفعوله في المعنى كان وعده تعالى إياه مفعولا. قوله: (هذه الآيات الموعدة) بكسر العين أي الناطقة بالوعيد وهي قوله تعالى: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا [المزمل: 12] إلى هنا وفسر اتخاذ السبيل إليه بالتقرب إليه والتوسل بالطاعة والاتقاء عما يؤثم لكونه طريقا إلى رضاه ورحمته. قوله: (استعار الأدنى للأقل لأن الأقرب إلى الشيء أقل بعدا منه) الظاهر أنه أراد من الاستعارة المجاز المرسل لأنه جعل العلاقة بين الأقرب والأقل كون القرب إلى الشيء مستلزما لقلة ما بينهما من البعد، فيكون إطلاق الأدنى على الأقل من قبيل إطلاق الملزوم على اللازم. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها ما يفهم من قول عائشة رضي اللّه عنها: إن اللّه تعالى فرض القيام في أول هذه السورة فقام نبي اللّه وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك اللّه تعالى آخر هذه السورة اثني عشر شهرا في السماء، ثم أنزل اللّه التخفيف في آخر السورة فصار قيام الليل تطوعا بعد كونه فرضا. قوله: (عطفا على أدنى) والمعنى: يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه وثلثه وهو مطابق لما فرض أول السورة من التخيير بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه وهو الثلث، وبين قيام الزائد عليه زيادة مطلقة كالثلثين على أن يكون «إلا قليلا»