حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 385
ورفع التبعة فيه فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل. عبّر عن الصلاة بالقراءة كما عبّر عنها بسائر أركانها. قيل: كان التهجد واجبا على التخيير المذكور فعسر عليهم القيام به فنسخ به، ثم نسخ هذا بالصلوات الخمس. أو فاقرؤوا القرآن بعينه كيفما تيسر عليكم. عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ استئناف يبين حكمة أخرى مقتضية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النظر إليه وصعب عليه ذلك. قوله: (ورفع التبعة فيه) رفعها عن التائب إشارة إلى أن قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْكُمْ استعارة تبعية شبه الترخيص في ترك ما قدر من قيام الليل بقبول التوبة من المذنب التائب في رفع التبعة في تركه كما رفعت عن التائب، ثم استعمل لفظ المشبه به وهو قبول التوبة في المشبه الذي هو الترخيص، ثم اشتق من لفظ المشبه به قوله:
فَتابَ بمعنى فرخص.
قوله: (قيل كان التهجد واجبا على التخيير المذكور) وهو التخيير بين القيام في أحد المقادير المعينة فلما عسر عليهم إصابة تلك المقادير المعينة نسخت فرضيته رعاية للمقدار المنصوص عليه وبقي أصل الوجوب، فإن الأمر في قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ يدل على أن ما تيسر من وجوب صلاة الليل غير مقدر بكونه في ثلث الليل أو ربعه أو نحوهما، ثم نسخ أصل وجوبها أيضا بالصلوات الخمس والتطوع. قوله: (أو فاقرأوا القرآن بعينه كيفما تيسر) عطف على قوله: «فصلوا ما تيسر» بمعنى أن قوله: فَاقْرَؤُا إما مجاز بمعنى فصلوا على إطلاق اسم الجزء على الكل، وإما حقيقة على أن المعنى إيجاب تلاوة القرآن في غير الصلاة كيفما تيسر ليحصل الأمن من النسيان والفوز برضى الرحمن، والوقوف على إعجازه بتلاوته وما فيه من دلائل التوحيد والبعث والجزاء ونحوها من العقائد الدينية. ثم قيل: الأمر بتلاوته خارج الصلاة للوجوب. وقيل: للندب والاستحباب. روي عن أنس بن مالك أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «من قرأ خمسين آية في كل يوم أو في كل ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر» . وعن عبد اللّه بن عمر قال: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اقرأ القرآن في كل شهر مرة» قال: قلت: إني أجد قوة على أن اقرأه في أقل من ذلك. قال: «فاقرأه في عشرين ليلة» قال: قلت: إني أجد قوة على أني أقرأه في أقل من عشرين. قال: «فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك» . وقيل: قوله تعالى:
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ إيجاب للقراءة في صلاة الليل لا إيجاب نفس الصلاة في الليل. وقيل:
إنه لا يجاب القراءة في كل صلاة. واختلف العلماء في قدر ما يلزمه في الصلاة؛ فقال الإمام مالك والإمام الشافعي: هو فاتحة الكتاب بخصوصها لا يجوز العدول عنها ولا