حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 401
وتسعة عشر جمع عشير كيمين وأيمن أي تسعة كل عشير جمع يعني نقيبهم أو جمع عشر فيكون تسعين.
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً ليخالفوا جنس المعذبين فلا يرقون لهم ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوى الخلق بأسا وأشدهم غضبا للّه تعالى.
روي أن أبا جهل لما سمع عليها تسعة عشر قال لقريش: أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم. فنزلت. وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تسعة وعشرة فحذفوا الواو وجعلوا الاسمين اسما واحدا ولذلك بني الاسم الأول على الفتح لكون آخره وسط الكلمة بسبب التركيب وبني الاسم الثاني أيضا لتضمنه معنى حرف العطف.
وهذا الاسم المركب في الآية في محل الرفع على الابتداء و «عليها» خبره وكثرة الحركات فيما هو كالكلمة الواحدة يوجب الثقل فلذلك أسكن أول الاسم الثاني للتخفيف وجعل ذلك أمارة لقوة اتصال أحد الاسمين بالآخر انتهى. قوله: (وتسعة أعشر جمع الخ) يعني أن تسعة اسم عدد أضيف إلى مميزه وهو أعشر جمع عشير يعني معاشر ومصاحب، كأنه قيل: عليها تسعة ملائكة كل واحد منهم معاشر جماعة ومدبر أمرهم ومعينهم ومبلغ الجماعة غير معلوم.
قوله: (ولا يستروحون) أي لا يميلون ولا يلاينون مع المعذبين. وفي الصحاح: استروح إليه أي استنام. وفيه أيضا استنام إليه أي سكن إليه واطمأن. روي أنه لما نزل قوله تعالى:
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم. قال ابن أبي كبشة: إن خزنة النار تسعة عشر يخوفكم بهم وأنتم الجمع العظيم، وروي وأنتم البهم أي الشجعان الأقوياء، أيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم ثم يخرجوا من النار؟ فقام أبو الأسود بن أسيد بن كلدة وهو رجل من بني جمح وكان من شجعان العرب وأقويائهم وكان يقوم على أديم ويجتمع جماعة على أن يجروه من تحت رجليه ويزيلوا رجليه عنه فلم يستطيعوا وينقطع الأديم قطعا قطعا ورجله ثابتة على حالها. فقال: يا معشر قريش إذا كان يوم القيامة فأنا أمشي بين أيديكم على الصراط فارفع عشرة بمنكبي الأيمن وعشرة بمنكبي الأيسر عن النار ونمضي حتى ندخل الجنة. وروي أنه قال: أنا أكفيكم سبعة عشر منهم فاكفوني أنتم اثنين منهم. فلما قال أبو جهل وأبو الأسود ذلك قال المسلمون: ويحكم لا تقاس الملائكة بالحدادين. فجرى هذا مثلا في كل شيئين لا تساوي بينهما. والمعنى: لا تقاس الملائكة بالسجانين. والحداد السجان الذي يحبس الناس ويمنعهم من الخروج من السجن فأنزل اللّه تعالى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً أي لم نجعلهم من جنسكم فتساوونهم فإن قوة واحد منهم أعظم من قوة الإنس والجن جميعا فلا يطيقهم البشر وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88] والجنسية لما كانت مظنة الرأفة والرحمة جعل اللّه تعالى خزنة النار مخالفين للمعذبين فيها بحسب الجنس لئلا يرقوا لهم.