فهرس الكتاب

الصفحة 5193 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 402

وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم وهو التسعة عشر. فعبّر بالأثر عن المؤثر تنبيها على أنه لا ينفك منه وافتتانهم به استقلالهم واستهزاؤهم به واستبعادهم أن يتولى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثقلين. ولعل المراد الجعل بالقول ليحسن تعليله بقوله:

لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي ليكتسبوا اليقين بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وصدق القرآن لما رأوا ذلك موافقا لما في كتابهم.

وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا بالإيمان به أو بتصديق أهل الكتاب له. وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم) جواب عما يقال: إن جعل من نواسخ الابتداء فوجب أن يكون مفعوله الثاني مما يصح أن يحمل على مفعوله الأول، ولا يصح أن يحمل فتنة الكفار على عدد الزبانية. وتقرير الجواب أن المراد بقوله تعالى: وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر، إلا أنه وضع قوله:

فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا موضع تسعة عشر لكون افتتان الكفار أثرا للعدد المذكور فعبّر عن المؤثر بلفظ الدال على الأثر تنبيها على أن الأثر من لوازم ذلك المؤثر. ثم بيّن أن الكفار افتتنوا بالعدد المذكور من جهة استقلالهم إياه واستبعادهم أن يكون هذا العدد وافيا بتعذيب أكثر خلق العالم ومن جهة استهزائهم به قائلين لم لم يكونوا عشرين وكانوا أقل منه بواحد.

قوله: (ولعل المراد الجعل بالقول) جواب عما يقال: كيف يصح جعلهم في نفس الأمر على هذا القدر معللا وسببا لاستيقان أهل الكتاب وازدياد المؤمنين إيمانا واستبعاد أهل الشك والنفاق، وليس إيجادهم وإحداثهم تسعة عشر سببا لشيء من ذلك وإنما السبب ما ذكر من الأمور هو الإخبار عن عددهم بأنه تسعة عشر؟ وتقرير الجواب أن الجعل يطلق على معنيين:

أحدهما جعل الشيء متصفا بصفة في نفس الأمر وثانيهما الإخبار باتصافه بها ويقال له الجعل بالقول كما في قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا [الزخرف: 19] ولعل المراد بالجعل المذكور في الآية الجعل بالمعنى الثاني والمعنى: وما جعلنا عدتهم بالإخبار عنها إلا عددا يلزم افتتان الكفار به لاستيقان أهل الكتاب وازدياد المؤمنين إيمانا واستبعاد أهل الشك والنفاق إياه، فحينئذ يظهر وجه السببية. وعبّر عن الإخبار عن العدد بالجعل للمشاكلة لوقوعه في صحبة قوله: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً كقوله:

قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا. قوله: (لما رأوا ذلك موافقا لما في كتابهم) فإن العدد المذكور لما كان موجودا في كتابهم، وأنه عليه الصلاة والسّلام أخبر عنه على وفق ذلك من غير سابقة دراسة وتعلم ظهر لهم أنه عليه الصلاة والسّلام إنما علم ذلك بسبب الوحي الإلهي فيستيقنون بنبوته عليه الصلاة والسّلام وبكون القرآن كلام إلهيا. قوله: (بالإيمان به أو بتصديق أهل الكتاب له) فعلى الأول يكون المراد بالازدياد الازدياد بحسب الكمية لازدياد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت