حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 403
أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ أي في ذلك وهو تأكيد للاستيقان وزيادة الإيمان، أو نفي لما يعرض للمتيقن حيثما عراه شبهة. وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك أو نفاق. فتكون الآية إخبارا بمكة عما سيكون في المدينة بعد الهجرة. وَالْكافِرُونَ الجازمون في التكذيب. ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا أي شيء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
متعلقه، فإن الإيمان قد كان يزداد به يوما فيوما في زمان الوحي بحسب ازدياد ما يجب الإيمان به، فإن من آمن بجميع ما جاء من عند اللّه قبل نزول ما يدل على عدد الزبانية إذا نزل عليهم قوله تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ فآمنوا به أيضا فلا شك أنه يزداد إيمانهم بحسب الكمية لازدياد متعلقه. وعلى الثاني يكون المراد بالازدياد ازدياد يقينهم قوة بتصديق أهل الكتاب به وبموافقة كتابهم لكتاب أولئك كما استيقن أولئك لموافقة كتابهم لكتابنا. قوله:
(وهو تأكيد للاستيقان وزيادة الإيمان) جواب عما يقال: لما أثبت الاستيقان لأهل الكتاب وأثبت زيادة الإيمان للمؤمنين؟ فما الفائدة في قوله بعد ذلك: وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ؟ وتقرير الجواب الأول كونه تأكيدا، وتقرير الجواب الثاني أن المتيقن قد يعتريه شك وارتياب بسبب غفلته عن مقدمة من مقدمات دليله أو طريان ما يتوهم كونه واقعا أو معارضا لتلك المقدمة فثبوت اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك فالمقصود من ذكر هذا الكلام بعد ذلك بيان أن المراد من الاستيقان والازدياد المذكورين قبل أن يكونا بحيث لا يطرأ عليهما شك وارتياب أصلا. قوله: (فتكون الآية إخبارا بمكة) جواب عما يقال: كيف يصح أن يفسر المرض بالنفاق؟ والحال أن السورة مكية من أوائل ما نزل فيها ولم يكن بمكة نفاق لأن أهلها إما مكذب قاطع بالتكذيب، أو شاك غير مصدق ولا مكذب، وإما مؤمن حقا والنفاق إنما حدث بالمدينة بعد الهجرة إليها.
وتقرير الجواب أن قوله تعالى: وليقول المنافقون والكافرون لا يقتضي تحقق النفاق وقت النزول بل يجوز أن يكون مبنيا على أنه قد تقرر في علم اللّه تعالى أنه سيحدث قوم منافقون يقولون ذلك، فعلى هذا تكون هذه الآية معجزة له عليه الصلاة والسّلام حيث أخبر عن غيب سيقع وقد وقع على وفق إخباره. فإن قيل: كيف يصح أن يكون قول الكافرين والمنافقين ماذا أراد اللّه بهذا مثلا مقصودا من الإخبار عن عدد الزبانية والقول المذكور كفر وضلال، فكيف يصح أن يريده اللّه تعالى؟ فالجواب أنه لا إشكال فيه على أصلنا لأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
قوله: (المستغرب استغراب المثل) إشارة إلى أن إطلاق المثل على هذا العدد على سبيل الاستعارة حيث شبهه بالمثل المضروب الذي هو القول السائر في الغرابة حيث لم يكن عقدا تاما كعشرين أو ثلاثين وكان ناقصا عنه بواحد والاستفهام فيه للإنكار والمراد بإنكاره أنه