حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 404
وقيل: لما استبعدوه حسبوا أنه مثل مضروب. كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل الكافرين ويهدي المؤمنين. وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ جموع خلقه على ما هم عليه. إِلَّا هُوَ إذ لا سبيل لأحد إلى حصر الممكنات والاطلاع على حقائقها وصفاتها وما يوجب اختصاص كل منها بما يخصه من كم وكيف واعتبار ونسبة. وَما هِيَ وما سقر أو عدة الخزنة أو السورة إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ (31) إلا تذكرة لهم.
كَلَّا ردع لمن أنكرها أو إنكار لأن يتذكروا بها. وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من عند اللّه. وقوله: مَثَلًا تمييز لهذا أو حال منه كقوله: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [الأعراف: 73] . قوله: (وقيل لما استبعدوه) أي لما كان هذا العدد عددا عجيبا ظن القوم أن ليس مراد اللّه تعالى منه ما اشتهر به ظاهره بل جعله مثلا لشيء آخر وتنبيها على مقصود آخر كسائر الأمثال السائرة فسموه مثلا بالمعنى العرفي، فإن قيل: القوم كانوا منكرين كون القرآن من عند اللّه تعالى فكيف قالوا: ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا؟ أجيب بأن الذين في قلوبهم مرض إن كان المراد بهم المنافقين فهم كانوا مقرين في الظاهر بأن القرآن من عند اللّه فلا جرم قالوا ذلك باللسان، وإن كان المراد بهم الكفار فيجوز أن يقولوا ذلك على سبيل التهكم أو على سبيل الفرض والاستدلال بأن القرآن لو كان من عند اللّه لما كان فيه مثل هذا الكلام. قوله: (مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى) إشارة إلى أن محل الكاف في كَذلِكَ النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي يضل إضلالا مثل ذلك، وأن ذكره إشارة إلى ما تقدم ذكره من الإضلال والهدى في قوله: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ وفي قوله: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا [المدثر: 31] أي كإضلال اللّه أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم وعددهم يضل ويخزي من يشاء ويهدي ويرشد من يشاء كإرشاد الصحابة. ثم إن أبا جهل لما استقل خزنة جهنم وقال: ليس لتعذيب العصاة من الجنود إلا تسعة عشر قال تعالى: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ والمراد من بيان كثرتها التنبيه على أنه تعالى لا يعسر عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن له تعالى في اختيار هذا العدد حكمة لا يعلمها إلا هو. ويحتمل أن يكون المعنى: وما يعلم عدد الملائكة الذين خلقهم اللّه تعالى لتعذيب أهل النار إلا هو، وكون خزنة النار تسعة عشر لا ينافي أن يكون لهم من الأعوان ما لا يعلم عددهم إلا اللّه. قوله: (وما سقرا وعدة الخزنة أو السورة إلا ذكرى) فإن سقر بما ذكر من صفاتها من كونها لا تبقي ولا تذر الخ تذكرة للبشر أي إنذار لهم بسوء عاقبة الكفر والعناد وكذا ذكره عدة الخزنة تذكرة لهم ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة اللّه تعالى، وأن لا يحتاج في تعذيب الكفر والعصاة إلى أعوان وأنصار. وكذا السورة تذكرة لهم لاشتمالها على الإنذار وغيره.