حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 406
القسم أو تعليل لكلا والقسم معترض للتأكيد.
نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) تمييز أي لإحدى الكبر إنذارا أو حال مما دلت عليه الجملة أي كبرت منذرة. وقرئ بالرفع خبرا ثانيا أو خبر المحذوف.
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) بدل من للبشر أي نذيرا للمكنين من السبق إلى الخير والتخلف عنه أو لمن شاء خبر لأن يتقدم فيكون في معنى قوله: فَمَنْ شاءَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو تعليل لكلا) أي للأمر بالارتداع كأنه قيل: ارتدع عن إنكار سقر لأنها إحدى الكبر وتأكيد الجملة «بأن» واللام لوقوعها جوابا للمنكر لا لوقوعها جوابا للقسم، وجواب القسم محذوف كأنه قيل: والقمر إن الأمر كذلك. والقسم وجوابه جملة وقعت معترضة بين الأمر بالارتداع وعلته. وهذا على تقدير كون قوله تعالى: كَلَّا ردعا لمن أنكر سقر وكونها من إحدى الكبر فإنه حينئذ يجوز أن يكون قوله: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ جوابا وتعليلا كما قررنا. وأما إن كان قوله: كَلَّا إنكارا من اللّه تعالى لأن يتذكروا بها فلا وجه حينئذ لأن يكون قوله: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ تعليلا ل كَلَّا بالمعنى المذكور ويتعين كونه جوابا للقسم ويكون تصدير الجملة بالمؤكدات مبنيا على تنزيل من لم يتذكر بها منزلة المنكر لسقر. قوله: (تمييز) أي من نسبة إحدى الكبر إلى اسم «إن» فيصح أن ينتصب على التمييز كأنه قال: إنها من معظمات الدواهي من جهة كونها نذيرا كما تقول: هي إحدى النساء زمانا على قوله من يقول النار هي المنذرة، وحذفت التاء من نذيرا كما في قوله: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56] أي شيء قريب أو ذات قرب منهم على معنى النسب كقولهم: امرأة طالق وطاهر أو لتأويل النار بالعذاب. قوله: (أو حال مما دلت عليه الجملة) لم يجعله حالا من ضمير «إنها» لأن الحروف المشبهة لا تنصب الحال. قوله: (بدل من للبشر) بإعادة الجار كقوله تعالى: لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ [الزخرف: 33] لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ [الأعراف: 75] وقوله تعالى: أَنْ يَتَقَدَّمَ مفعول «شاء» والمعنى: إن العبد متمكن من السبق إلى الخيرات بالإيمان والطاعات ومن التخلف عنها بالكفر والعصيان أي نذيرا لمن شاء التقدم إلى الخير والجنة بالطاعة أو التأخر عنه بالمعصية، فمن أراد الخير فهو متمكن منه فليفعل ومن أراد الشر فهو متمكن منه أيضا فليفعل. وفيه نوع تهديد كما في الوجه الثاني فإن قلت: قد تقرر أن مفعول «شاء» وأراد لا يذكر في الكلام الفصيح إلا أن يكون فيه غرابة فأي غرابة فيه حتى ذكره في هذا الوجه دون الوجه الثاني؟ والجواب أن اختيار التأخر والحرمان عن الخير مع التمكن من التقدم والفوز بالخير أمر غريب، وأن المعنى أنها لإحدى الكبر نذيرا للكافرين المتمكنين من فعل الخير مع التمكن من فعل الطاعة والمعصية فعبّر عنه بقوله: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ. قوله: (أو لمن شاء خبر لأن يتقدم)