حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 407
فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29]
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) مرهونة عند اللّه مصدر كالشتيمة أطلق للمفعول كالرهن ولو كانت صفة لقيل: رهين.
إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (39) فإنهم فكوا رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم. وقيل: هم الملائكة أو الأطفال.
فِي جَنَّاتٍ لا يكتنه وصفها وهي حال من أصحاب اليمين أو من ضميرهم في قوله: يَتَساءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) أي يسأل بعضهم بعضا أو يسألون غيرهم عن حالهم كقولك: تداعيناه أي دعوناه.
وقوله: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) بجوابه حكاية لما جرى بين المسؤولين والمجرمين أجابوا بها.
قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) الصلاة الواجبة.
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) ما يجب إعطاؤهم. وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع.
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (45) نشرع في الباطل مع الشارعين فيه.
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) آخره لتعظيمه أي وكنا بعد ذلك كله مكذبين بالقيامة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فلا يكون «أن يتقدم» مفعول «شاء» بل يكون في محل الرفع على الابتداء و «لمن شاء» خبر قدم عليه، ومحصول المعنى أنه لا قسر ولا إلجاء بل المكلف مختار في كل ما أتاه أو تركه فليفعل ما أراده. وفيه نوع تهديد كما في قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29] . قوله: (ولو كانت صفة لقيل رهين) لأن فعيلا إذا كان بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، فعلم أن التاء فيه ليست للفرق بين المذكر والمؤنث بل هو اسم للمصدر الكائن بمعنى المفعول أي اسم لما يرهن، والتاء التي فيه للدلالة على كونه منقولا من الوصفية إلى الاسمية، فإن الصفة إذا غلبت الاسمية عليها وكانت بحيث لا تحتاج إلى الموصوف ولا يذكر معها الموصوف تلحقها التاء دليلا على النقل كالنطيحة والذبيحة اسمان لما نطح وذبح، فيصح أن يقال: كل امرئ رهينة كما يقال: كل نفس رهينة أي محبوسة من قولهم: رهن الشيء أي دام وثبت وأرهنته كذا أي تركته ثابتا مقيما عنده، والمرتهن هو الذي يأخذ المرهون، ونفس المكلف محبوسة والحابس اللّه تعالى بمقابلة ما أوجبه عليه من التكاليف التي هي خالص حقه فإن أداها المكلف كما وجبت عليه فك رقبته وخلص نفسه والأتقى نفسه محبوسة عنده تعالى. قوله: (وقيل هم الملائكة أو الأطفال) فإنهم ليسوا بمكلفين بالأعمال حتى يكونوا محبوسين بما عليهم من حق اللّه تعالى. فعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا لأن النفوس المرهونة هي نفوس المكلفين والملائكة، وأطفال المسلمين ليسوا بمكلفين فلا يدخلون في المستثنى منه إلا أن تعم النفس الكل. قوله: (أو من ضميرهم) عطف على أصحاب اليمين. قوله تعالى: (يَتَساءَلُونَ) يجوز أن يكون من التساؤل الواقع بين اثنين على معنى أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين، ويجوز أن يكون بمعنى يسألون أي يسألون غيرهم عن أحوال المجرمين، فإن تفاعل قد