حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 408
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (47) الموت ومقدماته.
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) لو شفعوا لهم جميعا.
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) أي معرضين عن التذكير يعني القرآن، أو ما يعمه و «مُعْرِضِينَ» حال.
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) شبههم في إعراضهم ونفارهم عن استماع الذكر بحمر نافرة فرت من قسورة أي أسد فعولة من القسر وهو القهر. وقرأ نافع وابن عامر «مستنفرة» بفتح الفاء.
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52) قراطيس تنشر وتقرأ، وذلك أنهم قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: لن نتبعك حتى تأتي كلامنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجيء بمعنى فعل كما يقال: تداعينا أي دعونا. وعلى التقديرين ليس المجرمون مسؤولا عنهم بل هم المسؤول منهم فلا بد من توجيه مجيء «عن» فإن قوله: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ سؤال للمجرمين وقوله: يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ سؤال عنهم فلا يتطابقان، وإنما يتطابقان لو قيل: يسألون المجرمين ما سلككم في سقر؟ وتوجيه الكلام أن قوله: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ مع جوابه حكاية من قبل المسؤولين لما جرى بينهم وبين المجرمين من السؤال والجواب، والمعنى: أن أصحاب اليمين لما تساءلوا بأن سأل بعضهم بعضا أو بأن سألوا غيرهم عن المجرمين قال المسؤولون في جواب من سألهم قلنا لهم: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ فأجابوا بأن قالوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ الخ إلا أن الكلام جيء على الحذف والاختصار كما هو نهج التنزيل في غرابة نظمه.
قوله تعالى: (فَما تَنْفَعُهُمْ) الفاء فيه سببية دخلت على المسبب أي إذا ثبت أنهم اعترفوا بذنبهم من ترك الاعتقاد والعمل ثبت أنه لو فرض اجتماع الشفعاء على شفاعتهم لما نفعتهم شفاعتهم. ثم إنه تعالى لما بيّن أن من ترك الاعتقاد والعمل يعذب لا محالة بحيث لا ينفعه شفاعة الشافعين بأسرهم عجب من إصرار كفار مكة على الكفر والعناد وإعراضهم عن التذكير بالقرآن فقال: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ وكلمة «ما» في محل الرفع بالابتداء و «لهم» خبره و «معرضين» حال من الضمير المجرور في «لهم» و «عن التذكرة» متعلق «بمعرضين» والعامل في الحال معنى الاستقرار المدلول عليه باللام الجارة في «لهم» وكَأَنَّهُمْ حُمُرٌ حال بعد حال والاستفهام في «ما لهم» للإنكار أي أي شيء ثبت لهم معرضين عن وعظه مشابهين «حمر» أو «مستنفرة» بكسر الفاء بمعنى نافرة، فإن استنفر ونفر بمعنى كعجب واستعجب وسخر واستسخر واستنفر أبلغ من نفر كأنه يطلب من نفسه النفار. وقرئ بفتح الفاء أيضا أي مذعورة منفرة نفرها الصائد كأنه طلب منها النفار. قوله: (أي أسد) عن ابن عباس رضي اللّه عنه: أن القسورة هو الأسد بلسان الحبشة سمي بالقسورة لأنه يغلب السباع ويقهرها، والحمر الوحشية إذا عاينت الأسد تهرب فكذا المشركون إذا سمعوا القرآن ورأوا