حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 413
المستفهم أو عن الاستفهام. لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (5) ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان.
يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (6) متى يكون استبعادا واستهزاء.
فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (7)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لجواز أن يكون الإضراب عن المستفهم أي مع بقاء أصل الاستفهام على حاله. والأمر الثاني أن يكون المعطوف إيجابا استفهم أولا على سبيل الإنكار على حسبانه. ثم أضرب عن أصل الاستفهام إلى الإخبار عن حاله بما هو أدخل في اللوم عليه من الأول كأنه قيل: دع الإنكار على حسبانه أمرا باطلا في حقنا فإن فيه ما هو أقبح من ذلك وهو أنه يحب اللذات العاجلة والحياة الفانية وانهماكه في قضاء شهواته النفسانية يصرفه عن النظر في الدلائل المؤدية إلى تعيين الحق من الباطل وتمييز الصواب من الخطأ، فإن إنكار البعث قد ينشأ من الشبهة وقد ينشأ من حب العاجل ومتابعة الهوى. فاللّه تعالى أشار إلى الأول بقوله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أن لن نَجْمَعَ عِظامَهُ أي أن لن نقدر على جمع ما تفرق من أجزائه غربا وشرقا بتفريق الرياح وأكل السباع إياها وما اختلط من أجزاء كل شخص بأجزاء غيره حتى يبعث كل أحد بعينه بجميع أجزائه ويحاسب ويجازى بما عمل في الدنيا. ثم إنه تعالى رد هذه الشبهة بقوله: بَلى قادِرِينَ أي نجمع عظامه ونركبها كما كانت بناء على أنه تعالى عالم بالجزئيات بأسرها فيكون عالما بأجزاء كل شخص متميزة عن أجزاء غيره وقادر على كل الممكنات، فيلزم أن يكون قادرا على تركيبها ثانيا. وأشار إلى المنشأ الثاني لإنكار البعث بقوله: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ يعني أن الإنسان الذي هو عبد بطنه وفرجه وأسير ماله وجاهه، فإن فكرة البعث تكدر عليه انهماكه في استيفاء هذه اللذات الطبيعية وتقتضي حبس نفسه الأمارة بالسوء عن إطلاقها في قضاء شهواتها وتقييدها بالقيود الشرعية فيجد أمر البعث ثقيلا مخالفا لمقتضى طبعه فينكره لذلك فلا ينتهي عن المعاصي ولا يخطر بباله أن يتوب عنها وإن خطر يقول: سوف أتوب حتى يأتيه الموت وهو على شر أحواله وأسوأ أفعاله. وقوله تعالى:
أَمامَهُ ظرف «ليفجر» ، والفجور التكذيب وما يتفرع عليه، ومفعول «يريد» محذوف والمعنى: بل يريد الإنسان الثبات على ما هو عليه من عدم التقييد بقيود الإيمان والطاعة ليدوم على فجوره فيما بقي من عمره. وفسر قوله تعالى: لِيَفْجُرَ بقوله: «ليدوم على فجوره» لأنه في هذه الحالة ملتبس بالفجور وهو حسبان ما لا يجوز في حقه تعالى وإرادة الفجور كأنه قيل: ليس إنكاره للبعث لاشتباه الأمر عليه وعدم قيام الدليل على صحة البعث بل يريد أن يستمر على فجوره في حال كونه سائلا على طريق الاستهزاء والسخرية أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ «فيوم القيامة» مبتدأ و «أيان» خبره. ثم إنه تعالى ذكر من علامات القيامة ههنا أمورا ثلاثة: أولها قوله: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ وثانيها قوله: وَخَسَفَ الْقَمَرُ وثالثها قوله:
وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وقرأ نافع «برق» بفتح الراء من باب نصر والباقون بكسرها.