حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 421
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22) بهية متهللة. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (23) تراه مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفل عما سواه، ولذلك قدم المفعول وليس هذا في كل الأحوال حتى ينافيه نظرها إلى غيره. وقيل: منتظرة إنعامه ورد بأن الانتظار لا يسند
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسندا إلى ضمير الإنسان المذكور قبل، فدل ذلك على أنه إذا قرئ بتاء الخطاب يكون الخطاب للإنسان أيضا بطريق الالتفات. ثم إنه تعالى لما وبّخ على حب العاجلة ذكر اختلاف حال المؤمن العامل للآجلة وحال الكافر العامل للعاجلة يوم القيامة فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ذكر الوجوه وأراد بها أربابها، فإن الوجه مما يعبّر به عن الكل كذا قيل، إلا أنه لا مانع من أن يراد بالوجه معناه الحقيقي فلا وجه للعدول عنه مع انعدام ما يصرفه عن إرادته. ثم قيل:
قوله: «وجوه» مبتدأ و «ناضرة» نعت له و «يومئذ» منصوب بناضرة و «ناظرة» خبره و «إلى ربها» متعلق بالخبر والمعنى: إن الوجوه البهية أي الحسنة المتلألئة من كثرة التنعم بنعيم الجنة يومئذ أي يوم القيامة ناظرة إلى اللّه تعالى. والنضرة طراوة البشرة وجمالها وذلك من أثر التنعم. والناضر الناعم والنضرة الحسن من كل شيء، والبهاء الحسن يقال: بهى الرجل وبهو أيضا فهو بهي. وقيل: «وجوه» مبتدأ و «ناضرة» خبره و «يومئذ» منصوب بالخير وسوّغ الابتداء بالنكرة لكون تنكير النوعية نازلا منزلة الوصف في نحو وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ [البقرة: 221] وقوله: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ خبر بعد خبر. قوله: (تراه مستغرقة في مطالعة جماله) مستفاد من تقديم قوله: إِلى رَبِّها. قوله: (وليس هذا في كل الأحوال) جواب عما يقال: كيف تكون مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفل عما سواه مع أن أهل السعادة ينظرون في الموقف وفي الجنة إلى أمور لا تحصى؟ وتقرير الجواب ظاهر وفيه بحث لأن التقييد ببعض الأحوال تقييد بلا دليل ومناف لمقام المدح المقتضي لعموم الأحوال وغير مناسب لقوله تعالى:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ لعمومه في الأحوال، والأولى أن يقال التقديم لا يتعين كونه للاختصاص لاحتمال كونه للاهتمام ورعاية الفاصلة ولو سلم فالمعنى: أن النظر إلى غيره من حيث النظر إليه لا يعد نظرا كما في قوله: زيد الجواد. قوله: (وقيل منتظرة) إذ من المعتزلة المنكرين للرؤية من فسر النظر بالانتظار كما في قوله تعالى: فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل: 35] أي فمنتظرة وقوله: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: 13] وقوله: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [يس: 49] وقوله: «إنعامه» إشارة إلى أن من فسره بالانتظار جعل قوله:
«إلى اسما مفردا» بمعنى النعمة مضافا إلى المنعم مقدما لقول: «ناظرة بمعنى منتظرة» . قوله:
(ورد) أي ورد هذا القول بوجهين: الأول أن الانتظار لا يسند إلى الوجه، فإن قيل: نعم إنه لا يسند إلى الوجه بمعنى العضو إلا أن القائل به يجوز أن يفسره بالذات وجملة الشخص، ولا يخفى أنه يصح إسناد الانتظار إلى الكل. أجاب عنه المصنف بقوله: «وتفسيره بالجملة