فهرس الكتاب

الصفحة 5214 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 423

أربابها أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (25) داهية تكسر الفقار.

كَلَّا ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (26) إذا بلغت النفس أعالي الصدر وإضمارها من غير ذكر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العذاب نازل بها وهي تظن أن يفعل بها فاقرة، وهي الداهية العظيمة سميت فاقرة لأنها تكسر عظام الظهر أي فقاره يقال: فقرت الرجل إذا ضربت فقار ظهره كما يقال: رأسته وبطنته إذا ضربت رأسه وبطنه، والفقارة واحدة فقار الظهر ومنه سمي الفقير لأنه فعيل بمعنى مفعول فإن القل كسر فقار ظهره فجعله مفقورا. و «تظن» مرفوع المحل على أنه خبر «وجوه» أو خبر بعد خبر و «باسرة» على الأول صفة «وجوه» و «يومئذ» منصوب بها. ذهب جمهور المفسرين إلى أن الظن ههنا بمعنى اليقين بناء على أن اليوم الذي تفوز فيه أهل السعادة بمشاهدة جمال ذي الجلال والإكرام تتيقن فيه الأشقياء ما يفعل بهم من الدواهي الفاقرة إذ يتبدل فيه المظنون بالعيان وتنكشف فيه الأمور بحقائقها، إلا أن القياس النحوي يقتضي أن يكون الظن هنا على معناه لا بمعنى العلم واليقين لأنه قد وقع بعده «أن» الناصبة وهي لا تقع بعد العلم وإنما تقع بعده «أن» المشددة، وذلك أن العلم من مواضع التقرير والتحقيق والظن ونحوه من الرجاء والتوقع من مواضع الشك والتردد، و «أن» المشددة تفيد التأكيد و «أن» الناصبة لا تفيده، فلذلك وجب أن تقترن المشددة بما يفيد التحقيق والمخففة الناصبة بما يدل على الشك والتردد، فيقال: علمت أنك قائم وظننت أن تخرج وأطمع أن يغفر لي ربي، ولو قلت:

علمت أن يخرج زيد وأظن أن زيدا يخرج كان قلبا للعادة المتعارفة من حيث إنه اقترن ما هو علم التأكيد بما لا تقرير فيه وما هو عار من التأكيد بما فيه تقرير. فإذا قيل: أرجو أنك تعطيني فذلك لأجل الدلالة على قوة الرجاء، وإذا قلت: أخشى أنه يفعل فهو لقوة الخشية وتقررها. فلذلك فسر المصنف الظن بالتوقع حيث قال: «تتوقع أربابها» إشارة إلى أن الظن ليس بمعنى العلم واليقين كما ذهب إليه الجمهور. والمعنى: أن أرباب الوجوه الباسرة مع ما هم فيه وهم يقاسون شدة أشد الدواهي وأفظعها يظنون ويتوقعون بعده ما هو أشد منه وأهول لأنهم حينئذ تيقنوا بعظم جرمهم وبكمال سخط الملك الجبار عليهم، وتيقنوا أيضا بأنه كما لا نهاية للطفه ورحمته لا نهاية أيضا لقهره وأليم عذابه، فكلما فعل بهم فاقرة من الدواهي ظنوا أن يفعل بهم ما هو أشد منها وهكذا أبدا. فكما أن أرباب الوجوه الناضرة في غاية الرحمة والنعمة وهو الاستغراق في مشاهدة جمال ربهم الكريم، فكذلك أرباب الوجوه الباسرة في غاية النقمة والعناء وهو أن يتوقعوا في كل لحظة أن يفعل بهم ما هو أشد مما هم فيه وأفظع. قوله: (ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة) كأنه قيل: لما عرفتكم صفة سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء في الآخرة وعلمتم أنه لا نسبة لها إلى الدنيا فارتدعوا عن إيثار الدنيا على الآخرة وتهيؤوا لما بين أيديكم من الموت الذي تنقطعون به عن العاجلة وتنتقلون به إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت