حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 446
يفوق على النوعين المتقدمين. ولذلك أسند سقيه إلى اللّه تعالى ووصفه بالطهورية فإنه يطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الحسية والركون إلى ما سوى الحق فيتجرد لمطالعة جماله ملتذا بلقائه باقيا ببقائه وهو منتهى درجات الصديقين، ولذلك ختم به ثواب الأبرار.
إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً على إضمار القول والإشارة إلى ما عد من ثوابهم. وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22) مجازى عليه غير مضيع.
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23) مفرقا منجما لحكمة اقتضته. وتكرير الضمير مع «أن» مزيد لاختصاص التنزيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أو من «ملكا كبيرا» على تقدير المضاف فإن قوله: «حلوا» على التقديرين يكون مسندا إلى ضمير الأبرار فيكون أسورة الفضة لهم لا للولدان. قوله: (فإنه يطهر شاربه) يعني أن الطهور بمعنى المطهر كما روي عن مقاتل أنه قال: هو عين ماء أي على باب الجنة يتبع من ساق شجرة منها من شرب منه نزع اللّه تعالى ما كان في بطنه من غش وغل وحسد وما كان في جوفه من قذر وأذى. وأشير إلى هذا المعنى بقوله تعالى: طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [الزمر: 73] فإنه صريح في أن الطهور بمعنى المطهر حيث قال: إن الأشربة تطهر باطنهم من الأخلاق الذميمة والأخلاط المؤذية. وعن علي رضي اللّه عنه أنه قال في هذه الآية: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيشربون من إحداهما فترى عليهم نضرة النعيم فلا تتغير أبشارهم ولا تشعث شعورهم أبدا، ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطونهم من الأذى، ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم: سلام عليكم طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [الزمر: 73] وقيل: الطهور مبالغة الطاهر من حيث إنه ليس بنجس كخمر الدنيا لأن كونها رجسا ثبت شرعا لا عقلا وليست الدار دار تكليف. ثم إنه تعالى لما أتم شرح ثواب الأبرار قال: إِنَّ هذا أي يقال لهم بعد دخولهم الجنة ومشاهدتهم لما فيها من أنواع البهجة والنعيم: إن هذا كان لكم جزاء لأعمالكم التي قدمتموها في الدنيا للّه تعالى يقال لهم ذلك ليزداد سرورهم. ويحتمل أن يكون ذلك إخبارا من اللّه تعالى لعباده في الدنيا بعد شرح ثواب أهل الجنة لهم بأن يقول: هذا الذي شرحته لكم كان في علمي وحكمي جزاءكم يا معشر عبيدي لكم خلقتها ولأجلكم أعددتها. والشكر إذا أسند إلى العبد يكون عبارة عن قبول طاعة العبد وتوفير ثوابه يقال: شكر اللّه سعيك أي جزاك اللّه خيرا على ما سعيت. وإطلاق الشكر عليه مجاز تشبيها له بالشكر من حيث كونه فعلا واقعا بمقابلة العمل كالشكر الواقع بمقابلة الإنعام. ثم إنه تعالى لما ذكر في القرآن العظيم أصناف الوعد والوعيد في حق الشاكر والكفور وكان التذكر والاتعاظ به موقوفا على صدق المبلغ وحقية رسالته، بيّن أن ما بلغه إليهم ليس بسحر ولا شعر ولا كهانة بل هو