حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 447
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ بتأخير نصرك على كفار مكة وغيرهم. وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) أي كل واحد من مرتكب الإثم الداعي لك إليه ومن الغالي في الكفر الداعي إليه، وأو للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان والاستقلال به والتقسيم باعتبار ما يدعونه إليه، فإن ترتب النهي على الوصفين مشعر بأنه لهما وذلك يستدعي أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وحي إلهي تفرد اللّه تعالى بتنزيله مفرقا منجما آية بعد آية ولم ينزل جملة واحدة فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا ولم يقل: أنزلنا للمبالغة في تأكيد كونه وحيا إلهيا بتصدير الكلام «بأن» وتكرير الضمير الذي هو اسم «إن» وتأكيده بالضمير المنفصل تأكيدا على تأكيد، فكأنه تعالى يقول:
إن هؤلاء الكفار يقولون إنه سحر أو كهانة أو نحو ذلك، وأنا اللّه رب العالمين أقول على سبيل التأكيد والتحقيق إن ذلك وحي حق وتنزيل صدق من قبيلي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلا تكترث بما قالوا في حقه وفي شأنك، فإن ما قالوه صادر عن المكابرة والعناد بمنزلة قول من ينكر زوجية الأربعة وكون الواحد نصف الاثنين، فأنت لا محالة رسول مبعوث بالهدى ودين الحق وأن المقصود من بعثك أن تظهر الدين الحق على الأديان كلها، فاصبر بتأخير نصرك على أعداء الدين فإنه كائن لا محالة.
قوله: (واو للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان) يعني أن كلمة «أو» سواء وقعت في سياق الإثبات أو النفي فمعناها أحد الأمرين أو الأمور إلا أن ثبوت الشيء لأحد الأمرين أو الأمور لا يستلزم ثبوته للجميع، فهي إذا وقعت في سياق الإثبات تكون للإباحة أو التخيير، فإن كان الجمع بين الأمرين مما فيه فضيلة وشرف غالبا كما في قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين تكون للإباحة فيجوز الجمع بينهما والاقتصار على أحدهما وإلا فهي للتخيير نحو: اضرب زيدا أو عمرا ولا يجوز الجمع بينهما بل يجب الاقتصار على أحدهما، بخلاف نفي أحد الأمرين أو الأمور والنهي عن أحدهما فإنه يستلزم نفي الجمع والنهي عنه لأن كل واحد منهما يصدق عليه مفهوم أحدهما ونفي ما يصدق عليه هذا المفهوم يستلزم نفي الجمع فإذا قلت: لا تضرب زيدا أو عمرا، فالتقدير: لا تضرب أحدهما فيكون ضرب كل واحد منهما منهيا عنه لكونه ضرب أحدهما وقد نهي عنه. وكذا لو قيل: لا تطع أحدهما كان المعنى لا تطع كل واحد منهما فيكون كلمة «أو» للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان. فإن قيل: فعلى ما ذكرت يكون معنى «أو» في الآية النهي عن طاعة أحدهما فهلا جيء بالواو ليكون نهيا عن طاعتهما جميعا؟ فالجواب أنه لو قيل: ولا تطعهما أو ولا تطع آثما وكفورا لاحتمل جواز أن تطيع أحدهما بخلاف ما إذا قيل: لا تطع أحدهما فإنه حينئذ يعلم أن النهي عن طاعة أحدهما هو نهي عن طاعتهما. قوله: (والتقسيم باعتبار ما يدعونه إليه) أي من الإثم والكفر لا باعتبار انقسامهم في أنفسهم إلى الآثم والكفور، لأن القوم كلهم