حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 453
الشرق والغرب وفرقن بين الحق والباطل فألقين ذكر الحق فيما بين العالمين، أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها فعصفن ما سوى الحق ونشرن إثر ذلك في جميع الأعضاء ففرقن بين الحق بذاته والباطل في نفسه فيرون كل شيء هالكا إلا وجهه، فألقين ذكرا بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلا ذكر اللّه، أو برياح عذاب أرسلهن فعصفن ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن فألقين ذكرا أي تسببن له.
فإن العاقل إذا شاهد هبوبها وآثارها ذكر اللّه تعالى وتذكر كمال قدرته. و «عرفا» إما نقيض النكر وانتصابه على العلة أي أرسلن للإحسان والمعروف، أو بمعنى المتتابعة من عرف الفرس وانتصابه على الحال و «عذرا» أو «نذرا» مصدران لعذر إذا محا الإساءة وأنذر إذا خوف، أو جمعان بمعنى المعذرة ونذير بمعنى الإنذار أو بمعنى العاذر والمنذر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي غلبنها وقهرنها يقال: عصف الشيء أي أباده وأهلكه، وعصفت الحرب بالقوم أي ذهبت بهم. قوله: (أو برياح عذاب ورياح رحمة) فعلى هذا يكون قوله: «والناشرات» قسما مستأنفا برياح الرحمة بعد أن أقسم برياح العذاب التي أرسلت عرفا أي متتابعة كشعر العرف فعصفن.
وحمل المرسلات العاصفات على رياح العذاب بقرينة توصيفها بالعصف الذي هو شدة الهبوب وهي أمارة كونها مرسلة للعذاب، وحمل ما بعدها على رياح الرحمة أخذا من توصيفها بنشر السحاب أي بسطه في الجو وتفريق أجزائه بعضها عن بعض غب نشره. قال اللّه تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [الروم: 48] فقوله تعالى: وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا فَالْفارِقاتِ فَرْقًا على هذا التفسير في معنى قوله: فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا أي قطعا فإن الكسف جمع كسفة وهي القطعة من الشيء. والرياح الموصوفة بصفات القهر واللطف لما كانت سببا لتمسك العاقل بذكر اللّه تعالى والالتجاء إلى عفوه ورحمته وبذل الجهد في شكر نعمه صارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر فكان الإسناد إليها مجازيا. قوله: (وعرفا إما نقيض النكر) يعني أن «عرفا» إما بمعنى المعروف والإحسان والخير كما في قوله تعالى:
وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ [لقمان: 17] وهو نقيض المنكر، وإما بمعنى الاجتماع والتتابع من عرف نحو الفرس والضبع وهو شعر الرقبة يقال: جاؤوا عرفا واحدا، وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه أي اجتمعوا. قوله: (مصدران لعذر وأنذر) كون «عذرا» مصدر عذر ظاهر لأن فعلا نحو شكرا وكفرا من مصادر الثلاثي، وأما كون «نذرا» مصدر أنذر فليس بظاهر فلعل المراد أنه اسم مصدر له. وفي الصحاح: الإنذار الإبلاغ ولا يكون إلا في نحو التخويف والاسم النذر، ومنه قوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ [القمر: 16] أي إنذاري فإنه صريح في أن النذر اسم لمصدر أنذر. قوله: (أو جمعان لعذير بمعنى المعذرة ونذير بمعنى الإنذار) فإن