حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 460
انْطَلِقُوا خصوصا. وعن يعقوب «انطلقوا» على الإخبار عن امتثالهم بالأمر اضطرارا. إِلى ظِلٍ يعني ظل دخان جهنم كقوله تعالى: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ [الواقعة: 43] ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (30) يتشعب لعظمه كما ترى الدخان العظيم يتفرق ذوائب وخصوصية الثلاث إما لأن حجاب النفس عن أنوار القدس الحس والخيال والوهم إما لأن المؤدي إلى هذا العذاب هو القوة الواهمة الحالة في الدماغ والغضبية التي في يمين القلب والشهوية التي في يساره، ولذلك قيل: شعبة تقف فوق الكافر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي وتنكير «رواسي شامخات» للتفخيم إذ من جملتها ما لم يعرف ولم ير فإن ما يرى على ظهر الأرض من الجبال بعض منها فالتنكير فيها، وكذا في قوله: ماءً فُراتًا [المرسلات: 27] للتبعيض، فإن السماء فيها جبال أيضا لقوله تعالى: مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [النور: 43] وفي السماء أيضا ماء فرات بل هي معدنه ومصبه، والفرات الماء العذب. لما عد اللّه تعالى أنواع ما أنعم به عليهم واستفهم عن إنعامه عليهم بها استفهام تقرير كأنه قال:
قد أنعمنا بها عليهم، ثم هدد بالويل على تكذيبهم وكفرانهم بها تعريضا بأنهم قابلوا تلك النعم الموجبة للشكر بالكفر والعصيان وتخويفا لهم بسوء عاقبة صنيعهم هذا يوم الحساب والجزاء، شرع في تخويفهم والوعيد عليهم ببيان ما يقال للكفرة المكذبين للبعث والجزاء يوم القيامة فقال: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ والظاهر أن القائل هم خزنة النار أو زبانية جهنم. قوله: (خصوصا) يعني أن المأمور به أولا هو انطلاقهم إلى أنواع عذاب الآخرة عموما، والمأمور به ثانيا هو انطلاقهم إلى نوع مخصوص منه. واختلف في «انطلقوا» الثاني هل هو على لفظ الأمر أو الماضي؟ فقرأ الجمهور «انطلقوا» على لفظ الأمر. وعن يعقوب أنه قرأ «انطلقوا» بفتح اللام على لفظ الماضي إخبارا عن انقيادهم للأمر لأجل أنهم مضطرون إليه لا يستطيعون الامتناع منه، كأنه قيل: كانوا يؤمرون في الدنيا بالإيمان والطاعة فلا يلتفتون إليه ويكذبون من أمر به، فلما أمروا في العقبى بالانطلاق إلى ما كذبوا به سمعوا وأطاعوا اضطرارا، فلو أطاعوا في الدنيا لكان خيرا لهم. قيل: هو بعيد لأنه كان ينبغي أن يقال: فانطلقوا ليرتبط الكلام بأوله على طريق قولك قلت له: قم فقام. ويمكن أن يقال:
تركت الفاء بناء على أن الكلام استئناف لبيان امتثالهم كرها بعد ما يقال لهم بلفظ الأمر.
قوله: (كقوله: وظل من يحموم) وهو الدخان الغليظ الأسود استشهد به المصنف على أن ظل المكذبين هو دخان نار جهنم. قوله: (يتشعب لعظمه) إشارة إلى أن قوله تعالى:
ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ كناية عن كون ذلك الدخان عظيما بناء على أن الشعب من لوازم عظمته. واستشهد قتادة على ذلك أي على أن المراد بظل المكذبين هو دخان نار جهنم بقوله تعالى: أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [الكهف: 29] وقال: سرادق النار هو الدخان تشبيها له