حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 470
البعث كما مر تقريره مرارا. وقرئ «مهدا» أي أنها لهم كالمهد للصبي مصدر سمي به ما يمهد للنوم عليه.
وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا (8) ذكرا وأنثى
وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (9) قطعا عن الإحساس والحركة استراحة للقوى الحيوانية وإزاحة لكلالها، أو موتا لأنه أحد التوفيين ومنه المسبوت للميت وأصله القطع أيضا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ههنا لأن المقام مقام التهديد والتشديد وزيادة التهديد إنما تكون بالحمل على التراخي الرتبي.
ثم إنه تعالى لما هددهم على استهزائهم بأمر البعث والجزاء وبّخهم بقلة الدين وسخافة العقل بأن ذكرهم بعض ما عاينوا مما يدل على كمال قدرته ووفور علمه وحكمته، كأنه قيل: من بلغ علمه وحكمته وقدرته إلى هذه المثابة كيف يصح أن يفعل فعلا عبثا؟ وما ينكرونه من البعث والجزاء يستلزم كونه تعالى عابثا في كل فعل. قوله: (مصدر سمي به ما يمهد) أي يبسط يقال: مهدت الفراش مهدا إذا بسطته ووطأته، وسمي به مهد الصبي تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير والمراد الفراش، وهو في الأصل مصدر ماهدت بمعنى مهدت كسافرت بمعنى سفرت أطلق على الأرض الممهدة أي ألم تجعل الأرض بساطا ممهودا يتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه؟ و «مهادا» مفعول ثان «لجعل» إن كان الجعل بمعنى التصيير وحال مقدرة إن كان بمعنى الخلق، و «أوتادا» أيضا يحتملهما. ومعنى جعل الجبال أوتادا للأرض إرساؤها بالجبال لتسكن ولا تميل بأهلها كما يرسى البيت بالأوتاد فهو من باب التشبيه البليغ.
قوله: (قطعا عن الإحساس والحركة) لما طعن بعض الملاحدة في هذه الآية بأن قالوا: السبات هو النوم والمعنى: وجعلنا نومكم نوما. أجاب عنه بوجهين: الأول أن السبت في اللغة يجيء لمعان منها: الراحة ومنها القطع يقال: سبت شعره سبتا أي قطعه وحلقه ومنه سمي يوم السبت لانقطاع الأيام عنده، وسمي النوم سباتا لكونه مقطوعا عن الإحساس والحركة ولأن النوم يقطع التعب والكلال فكان نعمة عظيمة، لذلك فحسن ذكره في أثناء تعداد النعم الجليلة. والثاني أنا لا نسلم أن السبات هو النوم بل هو الموت. وفي الصحاح:
والمسبوت الميت والمغشي عليه، فالمعنى: وجعلنا النوم موتا. واستدل على صحة هذا المعنى بقوله: «لأنه أحد التوفيين» لقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر: 42] قال الإمام: وهذا القول عندي ضعيف، لأن الأشياء المذكورة في هذه الآيات من جلائل النعم فلا يليق ذكر الموت في أثنائها. ولعل المصنف أشار إلى دفعه بقوله: «لأنه أحد التوفيين» فإن الذي لا يليق ذكره في هذا المقام هو التوفي بمعنى الموت حقيقة ولا يمكن أن يكون المراد بالآية على تقدير أن يفسر السبات بالموت ما يفهم من ظاهرها بل هي من قبيل التشبيه البليغ، وذلك لأن الموت إنما يكون بانقطاع الروح عن البدن