حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 471
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا (10) غطاء يستتر بظلمته من أراد الاختفاء.
وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا (11) وقت معاش تتقلبون فيه لتحصيل ما تعيشون به، أو حياة تنبعثون فيه عن نومكم.
وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا (12) سبع سموات أقوياء محكمات لا يؤثر فيها مرور الدهور.
وَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا (13) متلألئا وقادا من وهجت النار إذا أضاءت، أو بالغا في الحرارة من الوهج وهو الحر والمراد الشمس.
وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ السحائب إذا أعصرت أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك: أحصد الزرع إذا حان له أن يحصد. ومنه: أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض، أو من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، أو الرياح ذوات الأعاصير. وإنما جعلت مبدأ للإنزال لأنها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والنوم يكون بانقطاع أثر الحواس الظاهرة واستراحة القوى الحيوانية مع بقاء الروح في البدن فهما متباينان، فكيف يكون أحدهما هو الآخر؟ فلا يذم حملها على التشبيه البليغ. والحال أن التشبيه بالموت نعمة جليلة يليق ذكرها في مقام تعداد النعم وكذا الكلام في قوله تعالى:
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا فإنه أيضا من قبيل التشبيه البليغ. قوله: (وقت معاش) يعني أن قوله تعالى: مَعاشًا اسم زمان بمعنى وقت التعيش ولفظ معاش في عبارة المصنف مصدر ميمي يقال: عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشة وعيشة والكل بمعنى، ثم فسر وقت التعيش بوقت التقلب لتحصيل ما يعاش به فقولنا: النهار وقت تعيش معناه وقت تحصيل أسباب التعيش. وهذا التفسير مبني على أن يفسر السبات بالقطع عن الإحساس والحركة فتحصل المقابلة بين السبات والمعاش، فإنه لما فسر السبات بالقطع عن الحركة فسر المعاش بما يتضمن الحركة لتحصل المقابلة. قوله: (أو حياة تنبعثون فيه عن نومكم) مبني على أن يفسر السبات بالموت رعاية للمطابقة بينهما وقضية المطابقة إنما تتم أن لو قيل، وجعلنا يقظتكم حياة إلا أنه عبّر عن اليقظة بالنهار لكونه مستلزما لها غالبا. قوله: (السحائب) إن فسرت المعصرات بالسحائب تكون اسم فاعل من أعصرت السحائب إذا حان لها أن تعصرها الرياح فتمطر ولم تعصرها بعد. وهمزة «أعصر» للحينونة كما في أحصد الزرع أي حان له أن يحصد، وأعصرت الجارية أي حان لها أن تعصر الطبيعة رحمها فتحيض، وإلا لكان ينبغي أن يقرأ «المعصرات» بفتح الصاد على أنه اسم مفعول لأن الرياح تعصرها. وإن فسرت المعصرات بالرياح يكون أيضا اسم فاعل من أعصرت الرياح إذا حان لها أن تعصر السحاب، والهمزة للحينونة أيضا لا للتعدية لأنه يتعدى بنفسه. وإما إذا كانت بمعنى الرياح ذوات الأعاصير فهمزة أفعل حينئذ تكون للصيرورة فيكون اسم فاعل من أعصرت الريح أي صارت ذات أعصار وهي الريح التي تستدير في الأرض ثم ترتفع إلى السماء كالعمود. وقيل: هي ريح تثير سحابا فيه رعد وبرق. قوله: (وإنما جعلت مبدأ للإنزال) أي إنزال الماء جواب