حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 475
وَفُتِحَتِ السَّماءُ وشقت. وقرأ الكوفيون بالتخفيف. فَكانَتْ أَبْوابًا (19) فصارت من كثرة الشقوق كأن الكل أبواب فصارت ذات أبواب
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ أي في الهواء كالهباء. فَكانَتْ سَرابًا (20) مثل سراب أن ترى على صورة الجبال ولم تبق على صورة حقيقتها لتفتت أجزائها وانبثاثها.
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (21) موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار، أو خزنة الجنة المؤمنين ليحرسوهم من فيحها في مجازهم عليها كالمضمار فإنه الموضع الذي يضمر فيه الخيل أو مجدة في ترصد الكفرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التفسير. قوله: (وشقت) أي تصدعت بعد أن كانت شدادا لا فطور فيها فيكون قوله:
وَفُتِحَتِ السَّماءُ ههنا بمعنى إذا السماء انشقت وإذا السماء انفطرت بناء على أن الفتح والتشقيق والتفطير متقاربة المعنى.
قوله: (فصارت من كثرة الشقوق كأن الكل أبواب) لما لم يمكن حمل قوله تعالى:
فَكانَتْ أَبْوابًا على ظاهره لأن نفس السماء إذا كانت بكليتها أبوابا لم يبق فيها ما يعتمد تلك الأبواب عليها، حمله أولا على التشبيه البليغ للمبالغة في كثرة أبوابها فإن تلك الأبواب لما كثرت جدا صارت السماء كأنها ليست إلا أبوابا مفتوحة كقوله تعالى: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا [القمر: 12] أي كثرنا العيون في الأرض بحيث صارت كأنها بكليتها عيون تتفجر وثانيا حمله على حذف المضاف أي فكانت ذوات أبواب. قوله: (مثل سراب) ووجه الشبه ما أشار إليه بقوله: «إذ ترى على صورة الجبال» فإن من يرى السراب من بعيد يحسبه ماء فإذا جاء الموضع الذي رآه فيه لم يجده شيئا، فكذلك الجبال تصير في عين الرائي كأنها جبال وليست كذلك في نفس الأمر لتفرق أجزائها وانبثاث جواهرها وصيرورتها كالعهن المنفوش، ثم تتقطع وتتبدد فتصير هباء منبثا مع استقرارها في مواضعها، ثم تنسف وتقلع من مواضعها كما قال تعالى: فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا [طه: 105] ثم ترفعها الرياح عن وجه الأرض فتطيرها في الهواء كأنها غباركما قال: وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النمل: 88] . واعلم أن الأحوال المذكورة إلى هنا هي أحوال عامة القيامة، ومن ههنا شرع في وصف أحوال جهنم وأهوالها فقال: إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا والمرصاد يحتمل أن يكون اسما للمكان الذي يرصد فيه الراصد العدو أي يرقبه كالمضمار فإنه اسم للمكان الذي تضمر فيه الخيل، ويطلق على المدة التي تضمر فيها الخيل أيضا وهي أربعون يوما، والضمر الهزال وخفة اللحم، وتضمير الفرس أن يعلفه حتى يسمن ثم يرده إلى القوت وذلك يتم في أربعين يوما.
وفي الصحاح: الراصد للشيء الراقب له تقول: رصده يرصده رصدا ورصدا، والترصد الترقب، والرصد أيضا القوم الذين يرصدون كالحرس يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث، والمرصاد الطريق. انتهى ما فيه. ويحتمل أن يكون المرصاد من أبنية المبالغة كالمعطار