حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 479
بالتخفيف وهو بمعنى الكذب كقوله:
فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه
وإنما أقيم مقام التكذيب للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم أو المكاذبة فإنهم كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون كاذبين عندهم فكان بينهما مكاذبة، أو كانوا مبالغين في الكذب مبالغة المغالبين فيه. وعلى المعنيين يجوز أن يكون حالا بمعنى كاذبين أو مكاذبين، ويؤيده أنه قرئ «كذابا» وهو جمع كاذب. ويجوز أن يكون للمبالغة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صاحب الكشاف: وكنت أفسر به فقال بعضهم: لقد فسرتها فسارا ما سمع بمثله. قوله:
(قال:
فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه)
استدل به على أن الكذاب مصدر كذب الثلاثي وأن معناه الكذب. ووجه الاستدلال أن كذابه فيه وقع بعد الفعل الثلاثي فدل ذلك على أنه مصدر لذلك الثلاثي. قوله: (أو المكاذبة) عطف على الكذب في قوله: «وهو بمعنى الكذب» ثم ذكر لكونه بمعنى المكاذبة وجهين: الأول أن يكون بناء المفاعلة للمشاركة كما هي الأصل فيه والثاني أن يكون للمبالغة تنبيها على كونهم مبالغين في الكذب مبالغة المغالبين فيه، فيكون «كذابا» مصدر كاذب بمعنى بالغ في الكذب فإنه قد يخرج الفعل الواقع من واحد على زنة المفاعلة تنبيها على قوة الفعل وكماله. ووجه التنبيه أن الفعل الصادر عن اثنين على طريق مغالبة كل واحد منهما الآخر لا بد أن يكون أتم وأقوى مما يصدر عن واحد لا مغالب له فيه، فإذا خرج الفعل الصادر ممن لا مغالبة له فيه على زنة المفاعلة كان مبناه على تشبيه ذلك الفعل بما صدر عن المغالبين في القوة والكمال. قوله: (وعلى المعنيين) وهما كونه بمعنى الكذب والمكاذبة يجوز أن يكون «كذابا» المخفف حالا من فاعل «كذبوا» على طريق استعمال المصدر في معنى اسم الفاعل. ويؤيده قراءة من قرأ «كذابا» بضم الكاف وتشديد الذال، فإنه جمع كاذب كنصار جمع ناصر منصوب على الحال والجملة معطوفة على قوله: «وإنما أقيم مقام التكذيب» يعني أن «كذابا» المخفف يجوز أن يكون منصوبا على أنه مفعول مطابق «لكذبوا» المشدد لتضمنه معنى الكذب بناء على أن كل من كذب الحق فهو كاذب، ويجوز أن يكون منصوبا على الحالية.
قوله: (ويجوز أن يكون للمبالغة) عطف على قوله جمع كاذب أي ويجوز أن يكون «كذابا» بالضم والتشديد صيغة مبالغة بمعنى الواحد البليغ في الكذب نحو: رجل كبار وشاب حسان، وذلك الواحد البالغ في الكذب هو مصدر كذبوا والمعنى: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا