حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 480
فيكون صفة للمصدر أي تكذيبا مفرطا كذبه.
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ وقرئ بالرفع على الابتداء. كِتابًا (29) مصدر «لأحصيناه» فإن الإحصاء والكتبة يتشاركان في معنى الضبط، أو لفعله المقدّر، أو حال بمعنى مكتوبا في اللوح، أو في صحف الحفظة والجملة اعتراض. وقوله:
فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا (30) مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات ومجيئه على طريقة الالتفات للمبالغة. وفي الحديث: «هذه الآية أشدّ ما في القرآن على أهل النار» .
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا (31) فوزا أو موضع فوز.
حَدائِقَ وَأَعْنابًا (32) بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة بدل من مفازا بدل الاشتمال أو البعض.
وَكَواعِبَ نساء فلكت ثديهن. أَتْرابًا (33) لدّات
وَكَأْسًا دِهاقًا (34) ملأى وأدهق الحوض ملأه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي تكذيبا مفرطا كذبه. قوله: (وقرئ بالرفع على الابتداء) وقراءة الجمهور بالنصب على أنه من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وهو الأولى في هذا المقام بتقديره جملة فعلية.
قال ابن الحاجب: ويختار النصب بالعطف على جملة فعلية للتناسب نحو: جاءني زيد وعمرا أكرمته. ثم إنه تعالى لما بيّن أن ما يوجب الجزاء المذكور وهو فسادهم بحسب قوتهم العملية والنظرية بيّن أن تفاصيل أحوالهم الفاسدة عملا واعتقادا معلومة له فقال: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا وهذه الجملة معترضة بين السبب ومسببه، فإن قوله: «فذوقوا» مسبب عن تكذيبهم والأصل: وكذبوا بآياتنا كذابا فذوقوا. وفائدة الاعتراض تقرير ما ادعاه من قوله:
جَزاءً وِفاقًا كأنه قال: أنا عالم بجميع ما فعلوه على وجه جزئي فأجازيهم جزاء وفاقا لأعمالهم وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: 29] . قوله: (وفي الحديث هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار) لأنها تدل على أنهم كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه فتكون كل مرتبة منه متناهية في الشدة، وإن كانت مراتبه غير متناهية بحسب العدد والمدة كما أشرنا إليه سابقا. ثم إنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار اتبعه ذكر ما وعد للأبرار فقال: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا وهو يحتمل أن يكون مصدرا ميميا بمعنى الفوز بما ينبغي ويطلب فيكون «حدائق» بدل اشتمال منه، وأن يكون اسما لمكان الفوز وهو الجنة فيكون «حدائق» بدل البعض.
والحدائق جمع حديقة وهي كل بستان محوط عليه من قولهم: أحدقوا به أي أحاطوا به.
وتنكير «أعنابا» لتعظيم حالها. قوله: (فلكت ثديهن) أي استدارت فصارت كالكعب في النتوء يقال: فلكت ثدي الجارية تفليكا أي استدارت كفلكة المغزل. قوله: (لدات) أي مستويات في السن واحدتها ترب وواحدة لدات لدة، والهاء فيها عوض عن الواو الذاهبة من أوله لأنها من الولادة. قوله: (ملأى) «فدهاقا» مصدر على وزن فعال بمعنى مدهق أي ممتلئ. وصف