حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 481
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (35) وقرأ الكسائي بالتخفيف أي كذبا أو مكاذبة إذ لا يكذب بعضهم بعضا.
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ بمقتضى وعده عَطاءً تفضلا منه إذ لا يجب عليه شيء، وهو بدل من جزاء. وقيل: منتصب به نصب المفعول به حِسابًا (36) كافيا من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال: حسبي، أو على حسب أعمالهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
به الكأس للمبالغة في امتلائها. قوله تعالى: (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا) اللغو هو ما يصدر من الكلام في أثناء الشرب، بخلاف أهل الجنة فإنهم إذا شربوا لا تتغير عقولهم فلا يتكلمون بلغو من نحو الهذيان والصياح والعربدة، ولا يكذب بعضهم بعضا، فإن «كذابا» بالتشديد بمعنى التكذيب فلا يسمع فيها شيئا من ذلك. قوله: (بمقتضى وعده) جواب عما يقال: إنه تعالى جعل ما وعده للمتقين جزاء وعطاء وهو كالجمع بين المتنافيين لأن كونه جزاء يستدعي ثبوت الاستحقاق، وكونه عطاء يستدعي عدم ثبوته. وتقرير الجواب أن ذلك تفضل وعطاء في نفس الأمر وجزاء مبني على الاستحقاق من حيث إنه تعالى وعد به لأهل الطاعة.
وقوله: «عطاء» بدل الكل من الكل من قوله: «جزاء» لاتحادهما بالذات واختلافهما بحسب المفهوم، وفي إبداله منه نكتة لطيفة وهي الدلالة على أن بيان كونه عطاء وتفضلا منه تعالى هو المقصود، وبيان كونه جزاء وسيلة إليه. وقيل: انتصاب «عطاء» على أن مفعول به لجزاء بمعنى جزاهم عطاء على أن العطاء بمعنى المعطي. قيل: يلزم عليه انتصاب «جزاء» على أنه مصدر مؤكد لفعله المحذوف، كما صرح به المصنف في مثله، والمصدر إنما يعمل إذا كان بمعنى «أن» مع الفعل والمفعول المطلق لا يكون كذلك لأن الفعل لا يؤكد «بأن» مع الفعل وإنما يؤكد بالمصدر الصريح، صرح به سيبويه في كتابه حيث قال: ويعمل عمل فعله ماضيا كان أو غيره إذا لم يكن مفعولا مطلقا. وأجيب عنه بأنه لا يلزم من عدم جواز تأكيد الفعل «بأن» مع الفعل لفظا عدم كون المفعول المطلق بمعنى «أن» مع الفعل، فإذا جاز أن يكون المفعول المطلق بمعنى أن مع الفعل جاز أن يكون عاملا. وفيه أن هذا الجواب يدفعه قول سيبويه: ويعمل عمل فعله إذا لم يكن مفعولا مطلقا. قوله: (كافيا) يعني أن قوله تعالى:
حِسابًا صفة لقوله: «عطاء» على أنه مصدر أقيم مقام محسبا بمعنى كافيا من قولهم:
أعطاني ما أحسبني أي ما كفاني، وأحسبت فلانا إذا أعطيته ما يكفيه حتى قال: حسبي. ومنه قول إبراهيم عليه الصلاة والسّلام: حسبي من سؤالي علمه بحالي أي كفاني من سؤالي.
قوله: (أو على حسب أعمالهم) فيكون أيضا صفة لعطاء أي عطاء كائنا بحسب أعمالهم ومقدارها فحذف الجار ونصب الاسم، «فحسابا» على هذا مصدر حسبته بمعنى عددته وقدرته. وفي الصحاح: حسبه يحسبه بالضم حسبا وحسبانا إذا عده وقدره. والظاهر أن يقال: على حسب ما وعد للعاملين من أصل الثواب وأضعافه في مقابلة أعمالهم، فإن الجزاء