حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 487
الملائكة يسبحون في مضيها أي يسرعون فيه فيسبقون إلى ما أمروا به فيدبرون أمره، أو صفات النجوم فإنها تنزع من المشرق إلى المغرب غرقا في النزع بأن تقطع الفلك حتى تنحط في أقصى المغرب وتنشط من برج إلى برج، أي تخرج من نشط الثور إذا خرج من بلد إلى بلد وتسبح في الفلك فسبق بعضها في السير لكونه أسرع حركة فتدبر أمرا نيط بها كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات. ولما كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب قسرية وحركاتها من برج إلى برج ملائمة سمى الأولى نزعا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباقية لطوائف أخرى، فيكون قوله: وَالسَّابِحاتِ قسما ثانيا والواو التي فيها تكون للقسم لا للعطف وتكون الكلمتان اللتان بعدها عطفا عليها على طريق عطف القصة على القصة، كما أن قوله: «والنازعات» قسم ابتدائي وقوله: «والناشطات» عطف عليه. أقسم اللّه تعالى أولا بطوائف ملائكة الموت، وثانيا بطوائف أخرى ينزلون من السماء مسرعين مشبهين في سرعة نزولهم بمن سبح في الماء. واستعارة السبح للإسراع شائع كما يقال في الفرس الجواد إنه لسابح. قوله: (أو صفات النجوم) عطف على قوله: «صفات ملائكة الموت» وقوله:
«تنزع من المشرق إلى المغرب» يدل على أن النازعات على هذا بمعنى السائرات كأنه مشتق من نزع إلى أهله ينزع نزعا أي اشتاق، فكأن النجوم في مصيرها إلى جانب المغرب اشتاقت إليه وإغراقها في النزع أن تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى المغرب، وإسناد النزع بمعنى السير إلى النجوم يشعر أن النجوم تتحرك حركة ذاتية من المشرق إلى المغرب كما تتحرك كذلك من برج إلى برج، وكذا إسناد السبح إليها يشعر بذلك. والظاهر أن الأمر ليس كذلك بل حركتها إلى مغاربها عرضية تابعة لحركة الفلك الأعظم، فينبغي أن يحمل قوله:
«بأن تقطع الفلك» مبنيا على أنا نراها كذلك وإن كانت هي في أنفسها مركوزة في أفلاكها ومتحركة تبعا لأفلاكها.
قوله: (وتنشط من برج إلى برج) نقل الإمام هذا الوجه عن صاحب الكشاف، ثم قال:
وأقول مرجع حاصل هذا الكلام إلى أن قوله تعالى: وَالنَّازِعاتِ غَرْقًا إشارة إلى حركتها اليومية وقوله: وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا إشارة إلى انتقالها من برج إلى برج وهو حركتها المخصوصة بها في أفلاكها الخاصة، والعجب أن حركتها اليومية قسرية وحركتها من برج إلى برج ليست قسرية بل ملائمة لذواتها، فلا جرم عبّر عن الأول بالنزع وعن الثاني بالنشط فتأمل أيها المسكين في هذه الأسرار. قوله: (فتدبر أمرا نيط بها) أسند التدبير إليها مع أن الأمر كله للّه من حيث إن الأمور المنوطة بها المترتبة عليها مستندة إليها بحسب الظاهر، وإن كانت في الحقيقة مستندة إليه تعالى من حيث إنه تعالى خلق الأشياء كلها بحيث يترتب عليها المصالح المتعلقة بها. فإن قيل: لم قال: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا ولم يقل أمورا مع أن المصالح