فهرس الكتاب

الصفحة 5279 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 488

والثانية نشطا، أو صفات النفوس الفاضلة حال المفارقة فإنها تنزع عن الأبدان غرقا أي نزعا شديدا من إغراق النازع في القوس فتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيه، فتسبق إلى حظائر القدس فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات، أو حال سلوكها فإنها تنزع عن الشهوات وتنشط إلى عالم القدس وتسبح في مراتب الارتقاء فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المكملات، أو صفات أنفس الغزاة أو أيديهم تنزع القسي بإغراق السهام وينشطون بالسهم للرمي ويسبحون في البر والبحر فيسبقون إلى حرب العدو فيدبرون أمرها، أو صفات خيلهم فإنها تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها وتخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر وتسبح في جريها فتسبق إلى العدو فتدبر أمر الظفر. أقسم اللّه تعالى بها على قيام الساعة وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه.

يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المترتبة عليها أمور كثيرة؟ قلنا: المراد بالأمر الجنس فصح أن يعبّر به عن الجمع. قوله:

(فإنها تنزع عن الأبدان) أي تقلع تعلقها عن الأبدان قلعا شديدا. شبّه قلع التعلق بالنزع لأنها تعلق من كثرة الاتصال بالشيء، فإن نفس الميت توصف بالنزع فيقال لمن هو في صدد الموت فلان في النزع أي في قلع تعلق روحه ببدنه. وتلك النفوس الفاضلة كما أنها تنزع أي تقلع تعلقها بالأبدان عنها تنشط أي تخرج منها إلى عالم الملكوت، ثم إنها لاشتياقها إلى الاتصال بالعالم العلوي ترتقي إلى عالم الملائكة ومنازل القدس على أسرع الوجوه في روح وريحان بعد خروجها من ظلمة الأجساد، فعبّر عن ذهابها على هذه الحالة بالسباحة. ثم لا شك أن مراتب النفوس الفاضلة في النفرة عن الدنيا ومحبة الاتصال بعالم القدس مختلفة، فكلما كانت أتم في هذه الأحوال كان سيرها إلى ذلك العالم أسبق، وكلما كانت أضعف كان سيرها إليه أبطأ، ولا شك أن الأرواح السابقة أشرف فلا جرم أوقع القسم بها حيث قال:

(والسابقات سبقا) ثم إن هذه النفوس الشريفة لعلو همتها في تكميل النفوس القاصرة ولشرفها وقوتها لا يبعد أن يظهر فيها آثار وتدبيرات في هذا العالم فتكون من المدبرات. ألا ترى أن الإنسان قد يرى في المنام أن بعض الأموات يرشده إلى مطلوبه! قوله: (أو حال سلوكها) عطف على حال المفارقة عن الأبدان أي أو هي صفات النفوس الفاضلة حال سلوكها. قوله: (أقسم اللّه بها على قيام الساعة) يعني أن جواب القسم محذوف وهو إما لتبعثن ويدل عليه ما حكى اللّه تعالى عنهم أنهم قالوا: أَإِذا كُنَّا عِظامًا نَخِرَةً [النازعات: 11] أي أنبعث إذا صرنا عظاما نخرة، وإما لننفخن في الصور نفختين ويدل عليه ذكر الراجفة والرادفة وهما النفختان، وإما أن القيامة واقعة لأنه تعالى قال: وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا [الذاريات: 1] ثم قال: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ [الذاريات: 5] وقال: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا [المرسلات: 1] ثم قال: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ [المرسلات: 7] فكذا ههنا فإن القرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت