حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 494
وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ وأرشدك إلى معرفته. فَتَخْشى (19) بأداء الواجبات وترك المحرمات إذ الخشية إنما تكون بعد المعرفة وهذا كالتفصيل لقوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [طه: 44] .
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (20) أي فذهب وبلغ فأراه المعجزة الكبرى وهي قلب العصاحية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أدلج ومن أدلج بلغ المنزل». يقال: أدلج القوم إذا سار وأمن أول الليل، وإن سار وأمن آخر الليل يقال: إنهم أدلجوا بتشديد الدال.
قوله: (إذ الخشية إنما تكون بعد المعرفة) تعليل لكون المضاف المقدر في قوله: إِلى رَبِّكَ هو المعرفة حيث قال: «وأرشدك إلى معرفته» . قوله: (وهذا كالتفصيل) وذلك لأن المأمور به في قوله تعالى لموسى وهارون: اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ [طه: 43] فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [طه: 44] مفهومه مجمل يحتمل صورا شتى، والمأمور به في هذه الآية صورة جزئية من محتملات القول اللين فيكون بمنزلة التفصيل له. ووجه كونه لينا أنه عليه الصلاة والسّلام ابتدأ في مخاطبة فرعون بالاستفهام عن ميله إلى كونه زاكيا عما لا يليق به ومتطهرا عنه، ولم يخرج كلامه على صورة الأمر والإلزام ولم يصرح بما هو فيه من الجهل والشرك وكفران نعمة خالقه ورازقه وكونه متوغلا في الضلالة والطغيان بسبب ذلك ونحو ذلك مما فيه عنف وغلظة. ووجه كونه كالتفصيل ظاهر وظهر منه أنه لا بد في الدعوة إلى معرفة اللّه تعالى وطاعته من سلوك سبيل الرفق واللين وترك الخشونة والعنف ولذلك قال اللّه تعالى لسيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159] . قوله:
(فذهب وبلغ فأراه) إشارة إلى أن الفاء في قوله: فَأَراهُ للعطف على محذوف يدل عليه قوله تعالى: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ فقل له كذا وكذا ونظيره قوله تعالى أن: اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ [البقرة: 60] أي فضرب فانفجرت. وأمثال هذا الإيجاز كثير في القرآن.
قوله: (وهي قلب العصاحية) اعلم أنهم اختلفوا في الآية الكبرى على ثلاثة أقوال: الأول أنها اليد البيضاء لقوله تعالى في سورة طه: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل: 12] آيَةً أُخْرى لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى [طه: 22، 23] قاله مقاتل والكلبي. وقال عطاء: هي قلب العصاحية. وقال مجاهد: هي مجموع اليد البيضاء والعصا وذلك لأن سائر الآيات دلت على أن أول ما أظهره موسى عليه الصلاة والسّلام لفرعون هو العصا ثم اتبعه باليد فوجب أن تكون مجموعهما. واختار المصنف القول الثاني. ثم استدل على ما اختاره بأنها كانت مقدمة في الإرادة حيث ابتدأ موسى عليه الصلاة والسّلام بها وهذه دعت إلى الأخرى، فإن العصا لما انقلبت حية أضمر موسى عليه الصلاة والسّلام في نفسه خيفة منها وقصد أن يضرب الحية بيده فقيل له حين رفع يده وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ