حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 496
فَحَشَرَ فجمع السحرة أو جنوده فَنادى (23) في المجمع بنفسه أو مناد
فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (24) أعلى كل من يلي أمركم.
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (25) أخذا منكلا لمن رآه أو سمعه في الآخرة بالإحراق وفي الدنيا بالإغراق، أو على كلمته الآخرة وهي هذه وكلمته الأولى وهي قوله:
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أعلى كل من يلي أمركم) يريد أنه لم يرد بقوله: أَنَا رَبُّكُمُ أنه خالق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما فإن العلم بفساد ذلك ضروري، ومن شك فيه وجوّزه كان مجنونا والمجنون لا يبعث إليه رسول يدعوه إلى الحق بل الرجل كان دهريا منكرا للصانع والحشر والجزاء وكان يقول؛ ليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر ونهي أو يبعث إليكم رسولا ولا يحتاج الخلق إلا إلى من يلي أمرهم ويحكم بينهم على أمر ينتظم به معاشهم ومعادهم ولا يجري بينهم البغي والاعتساف وذلك الذي يلي أمركم أنا لا غيري.
قوله: (أخذا منكلا) يعني أن نكالا مصدر بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم والكلام بمعنى التكليم، وأن التنكيل بمعنى المنكل على طريق رجل عدل وأنه منصوب على أنه صفة مصدر محذوف لأخذه اللّه، وأن إضافته إلى الآخرة والأولى بمعنى «في» كضرب اليوم أي في اليوم. والظرف للأخذ الموصوف لا لنفس التنكيل بمعنى المنكل لأن معنى الأخذ المنكل أن يفعل بالمسيء فعل يمنع غيره عن الإتيان بمثل ذنبه ويمنعه أيضا عن المعاودة إلى مثل ذلك الذنب. والفعل المذكور لا ينكل في الدار الآخرة بخلاف ما فعل به من العقوبة في الدنيا أو في الآخرة، فإن ما فعل في الدنيا ينكل من رآه ومن سمعه عن إتيان مثل تلك الإساءة وما فعل في الآخرة ينكل من سمعه وصدق به وإن لم يكن منكلا لمن يراه في الآخرة. فقوله: «لمن رآه» مخصوص بالذات المتنكل الواقع في الدنيا وقوله: «أو سمعه» يتناول للأخذ الواقع في الدنيا وللواقع في الآخرة فإن من سمع في الدنيا بما عوقب به المذنب في الآخرة وصدق بذلك يمتنع بسبب سماعه عن ارتكاب ذلك الذنب. ولفظ النكال والتنكيل ينبئ عن الامتناع عن الشيء وعدم الإقدام عليه، ومنه: نكل عن اليمين إذا امتنع عن أن يحلف، ونكل عن العدو إذا امتنع عن معارضته ومحاربته حسا ومخافة، ونكل به على ذنبه تنكيلا أي عاقبه على ذنبه عقابا يحمل المعاقب على الامتناع من المعاودة إلى ذلك الذنب. ويحتمل غيره أيضا على الامتناع عن إتيان مثل ذنبه لأن المعاقب لما عوقب على ذلك الذنب كان ذلك عبرة لغيره يعتبر بحاله فيمتنع عن إتيان مثل ما أتى به. وقيل: نَكالَ الْآخِرَةِ منصوب على أنه مصدر مؤكد للفعل المذكور حملا على المعنى لأن الأخذ في قوله تعالى: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى عبارة عن العقوبة فكأنه قيل: نكل اللّه به نكال الآخرة أي تنكيلها. قوله: (أو على كلمته الآخرة وهي هذه) عطف على قوله: «في الآخرة