فهرس الكتاب

الصفحة 5304 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 513

وألهمه أن يتنكس. أو ذلل له سبل الخير والشر. ونصب «السبيل» بفعل يفسره الظاهر للمبالغة في التيسير وتعريفه باللام دون الإضافة للإشعار بأنه سبيل عام، وفيه على المعنى الأخير إيماء بأن الدنيا طريق والمقصد غيرها.

ولذلك عقبه بقوله: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22) وعد الإماتة والإقبار في النعم لأن الإماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية واللذات الخالصة، والأمر بالقبر تكرمة وصيانة عن السباع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأن التفصيل يعقب الإجمال. قوله: (وألهمه أن يتنكس) أي ينقلب عن الهيئة التي كان الجنين عليها في بطن أمه، فإن رأسه وهو في بطن أمه كان إلى جانب صدر أمه ورجليه إلى جانب رجليها وكانت فويهة الرحم غير مفتوحة قبل وقت الولادة، فإذا جاء وقت الولادة انفتحت فويهة الرحم وانتكس المولود بأن ينقلب وتصير رجلاه إلى جانب صدر أمه ورأسه إلى جانب المخرج فيخرج رأسه أولا. ولا يخفى أن ما ذكر تسهيل لسبيل الخروج فإنه لولا الانفتاح والانتكاس لما تأتي الخروج. قوله: (أو ذلل له سبيل الخير والشر) أي ويجوز أن يكون المراد تسهيل الذي يختار سلوكه من طريقي الخير والشر وتيسيره الإقدار على سلوكه وتمكنه منه والهداية إلى عاقبة كل واحد منهما ببعثة الأنبياء وإنزال الكتب وإعطاء العقل المميز والقوى والأعضاء المستوية. قوله: (وتعريفه باللام) يعني أن الكلام في الإنسان المدعو عليه وبيان ما أنعم عليه، فالمناسب للمقام أن يقال: ثم يسر سبيله بإضافة السبيل إليه إلا أنه عرف باللام للإشعار بأنه غير مختص به بل هو سبيل عام لجميع المكلفين من الإنس والجن على المعنى الثاني، وللحيوانات أيضا على المعنى الأول. قوله: (وفيه على المعنى الأخير إيماء) وجه الإيماء أنه لما فسر السبيل بسبيل الخير والشر فهم أن المكلف ما دام في هذه الدار فهو ابن السبيل وأن سبيله يؤديه إما إلى خير وإما إلى شر، أي إلى دار الجزاء بالثواب والعقاب، والدار الآخرة هي الدار التي يقر بها. ويؤيد حمل السبيل على هذا المعنى أنه حينئذ يحسن انتظام ما بعد هذه الآية بها. قوله: (وعد الإماتة والإقبار في النعم) لما جعل قوله تعالى: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ إلى قوله: كَلَّا مسوقا لبيان ما أنعم اللّه تعالى به على الإنسان وكفرانه به وخفي وجه كون الإماتة والإقبار نعمة، بيّن وجه ذلك بأن الإماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية وبأن الإقبار تكرمة وصيانة للميت عن كونه طعمة للسباع، وإنما قال: وصلة في الجملة لأن كونها وصلة إلى ما ذكر إنما هو بالنسبة إلى المؤمن لا الكافر لا يقال الكلام ههنا في الكافر بقرينة قوله: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ فكيف تعد الإماتة نعمة في حقه مع أن الموت في حقه مفتاح لكل بلاء ومحنة؟ لأنا نقول: الإماتة في نفسها شأنها أن تكون نعمة للميت يتخلص بها من سجن الدنيا إلى سعة عالم الآخرة وكونها نقمة في حق الكافر إنما هو من سوء اعتقاده وسيئات أعماله. قوله: (والأمر بالقبر) منصوب بالعطف على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت