فهرس الكتاب

الصفحة 5316 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 525

فإنه قاله عن اللّه تعالى.

ذِي قُوَّةٍ كقوله تعالى: شَدِيدُ الْقُوى [النجم: 5] عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) عند اللّه ذي مكانة مُطاعٍ في ملائكته ثَمَّ أَمِينٍ (21) على الوحي. و «ثم» يحتمل اتصاله بما قبله وبما بعده. وقرئ «ثم» تعظيما للأمانة وتفصيلا لها على سائر الصفات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم اشتق منه تنفس بمعنى أقبل النسيم مع طلوعه. ثم لما كان التنفس من لوازم ذهاب ظلمة الليل بطلوع الصبح وزوال غبرته كني بتنفسه عن طلوعه وانبساط ضوئه بحيث زالت معه عسعسة الليل وهي الغبرة الحاصلة في آخره، وهي كناية متفرعة على الاستعارة. والغبرة لون الأغبر وهو الشيء الملون بلون يشبه الغبار. وأضاء يجيء لازما ومتعديا وكلاهما يصح ههنا.

وفي بعض النسخ: إذا تنفس أي إذا أضاء عبّر به عن إقبال روح ونسيم، والمعنى واحد أي شبه إقبال النسيم وقت طلوع الصبح بتنفسه فعبّر عنه بالتنفس ثم اشتق منه تنفس وجعل تنفسه كناية عن إضاءته كما أشار إليه فقوله: «أي إذا أضاء» .

قوله: (فإنه قاله عن اللّه تعالى) يعني أن كون القرآن قول جبريل عليه السّلام لا ينافي كونه كلام اللّه تعالى حقيقة لأنه عليه السّلام قاله وبلغه عن اللّه تعالى. واعلم أنه تعالى وصف جبريل عليه السّلام ههنا بست صفات: أولاها أنه رسول فإنه لا شك أنه رسول منه تعالى إلى الأنبياء عليهم السّلام. وثانيتها أنه كريم على ربه حيث جعله أمين وحيه وواسطة بينه وبين رسله وهذا من أجل المناصب وأشرف المراتب، ومن كرمه أنه وسيلة لنيل أفضل العطايا وأقصى الكرامات وهو المعرفة والهداية. وثالثتها أنه ذو قوة أي ذو قدرة على ما يكلف به لا يعجز ولا يضعف عن شيء مما يكلف به. روي أنه عليه الصلاة والسّلام قال لجبريل: «ذكر اللّه تعالى قوتك وأمانتك وأثنى عليك بهما فما كانت قوتك وما كانت أمانتك» قال: أما قوتي فإني بعثت إلى مدائن لوط وهي أربع مدائن وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء الدنيا أصوات الدجاج ونبيح الكلاب، ثم هويت بهن فقلبتهن. وأما أمانتي فإني لم أؤمر بشيء فعدوته إلى غيره. وروي أن شيطانا يقال له الأبيض صاحب الأنبياء قصد أن يتعرض للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدفعه جبريل دفعة دقيقة رفعه بها من مكة إلى أقصى الهند. ورابعتها قوله تعالى في حقه: عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ أي ذي منزلة ومكانة عند اللّه، ومن مكانته عنده تعالى أنه تعالى جعله تالي نفسه في قوله: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ [التحريم: 4] وهذه العندية كناية عن كونه ذا منزلة رفيعة وقدر عظيم عنده تعالى. وخامستها أنه مطاع في ملائكته تطيعه الملائكة المقربون لعلمهم بمنزلته عند اللّه. وسادستها أنه أمين على وحي اللّه تعالى ورسالته قد عصمه اللّه تعالى من الخيانة والزلل. وقوله: «ثم» بفتح الثاء إشارة إلى الظرف المذكور هو عند ذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت